تحقيق الحلقة الثانية - الحائري، السيد علي أكبر - الصفحة ١٥٤ - سيرة المتشرّعة
السيرة العقلائيّة، و الثاني سيرة المتشرّعة. و الفرق بين السيرتين: أنّ الاولى لا تكون بنفسها كاشفةً عن موقف الشارع، و إنّما تكشف عن ذلك بضمّ السكوت الدالّ على الإمضاء، كما تقدّم. و أمّا سيرة المتشرّعة فبالإمكان اعتبارها بنفسها كاشفةً عن الدليل الشرعيّ، على أساس أنّ المتشرّعة حينما يسلكون سلوكاً بوصفهم متشرّعة يجب أن يكونوا متلقّين ذلك من الشارع. و هناك في مقابل ذلك احتمال أن يكون السلوك المذكور مبنيّاً على الغفلة عن الاستعلام، أو الغفلة في فهم الجواب على تقدير الاستعلام. غير أنّ هذا الاحتمال يضعف بحساب الاحتمال كلّما لوحظ شمول السيرة و تطابق عدد كبير من المتشرّعة عليها، و من هنا قلنا: إنّ سيرة المتشرّعة تناظر الإجماع، لأنّهما معاً يقومان في كشفهما على أساس حساب الاحتمال. غير أنّ الإجماع يمثّل موقفاً فتوائيّاً نظريّاً للفقهاء، و الآخر يمثّل سلوكاً عمليّاً دينيّاً للمتشرّعة. و كثيراً ما تشكّل سيرة المتشرّعة بالمعنى المذكور الحلقة الوسيطة بين الإجماع و الدليل الشرعيّ، بمعنى أنّ تطابق أهل الفتوى على حكم مع عدم كونه منصوصاً في ما بأيدينا من نصوص يكشف بظنٍّ غالب اطمئنانيٍّ عن تطابق سلوكيٍّ و ارتكازيٍّ من المتشرّعة المعاصرين لعصر النصوص، و هذا بدوره يكشف عن الدليل الشرعيّ. و بكلمة اخرى: أنّ الإجماع المذكور يكشف عن رواية غير مكتوبة، و لكنّها معاشة سلوكاً و ارتكازاً بين عموم المتشرّعة.