أقضية رسول الله(ص) - ابن طلاع القرطبي - الصفحة ١٠٨ - «حكم رسول اللّه
فكذلك حكم النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) لسودة: أن ابن زمعة أخوها إذ ولد على فراش أبيها، و جعله أجنبيا في أن لا يراها فحكم بحكمين: حكم في الظاهر، و حكم في الباطن، و اتبع الشافعي في ذلك إبطال الحكم بقطع الذرايع، و أن يكون حكما واحدا حتى قال: إن للرجل أن يمنع زوجته من رؤية أخيها. و أن قول النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم): «احتجبي عنه» إنما هو على وجه التنزه و الاختيار، و هذا خلاف لما أمر به رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) عائشة في أفلج أخي ابن القعيس، إذ قال لها: «إنه عمّك فليلج عليك» [١]، و كان عمها من الرضاعة، فكيف أن يمنع المرأة من رؤية أخيها.
و أدخل البخاري هذا الحديث في باب تفسير المشبهات مع الحديث: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» [٢]. و هو أيضا يقوي مذهب مالك، و يخالف قول الشافعي.
و قول النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم): «و للعاهر الحجر» يعني: نفي الولد عن الزاني، و أنه لا شيء له فيه، و لا ينسب إليه. كقول العرب: بفمك الحجر. أي: لا شيء لك.
و قال الداودي: للعاهر الحجر: يعني الرجم للزاني المحصن، و مذهب الشافعي أن الحرام لا يحرّم الحلال، و كذلك قال: إن أمر النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) لسودة بالاحتجاب تنزه و اختيار، و مذهب أبي حنيفة أن الزنا يحرم- و اختلف في ذلك قول مالك- فمرة قال: إن الحرام لا يحرّم الحلال، و مرة قال: إنه يحرّم، و الأغلب من مذهبه و مذهب أصحابه أنه لا يحرّم.
«حكم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)» في العتق و الوصية بالقرعة و حكم ذات الزوج و التدبير و أمهات الأولاد و الكتابة
في مصنف عبد الرزاق عن علي بن أبي طالب قال: شهدت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يقضي بالدين قبل الوصية، و أنتم تقولون: من بعد وصية يوصي بها أو دين [٣].
و لا خلاف بين العلماء أن الدين قبل الوصية.
في الموطأ و غيره عن الحسن، و عن محمد بن سيرين: أن رجلا في زمان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أعتق عبيدا له ستة عند موته، فأسهم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بينهم فأعتق ثلث تلك العبيد [٤].
[١] رواه البخاري (٥٢٣٩) من حديث عائشة رضي الله عنها.
[٢] رواه أحمد (١/ ٢٠٠)، و الترمذي (٢٥١٨)، و النسائي (٨/ ٣٢٧)، و ابن حبان (٧٢٢) من حديث الحسن ابن علي رضي الله عنه. و هو حديث صحيح.
[٣] رواه عبد الرزاق (١٩٠٣)، و أحمد (١/ ٧٩)، و الترمذي (٢٠٩٥)، و أبو يعلى (٣٠٠) و إسناده حسن من حديث علي رضي اللّه عنه.
[٤] رواه مالك (٢/ ٧٧٤) و (٢٧٢٠) و هو حديث مرسل. و رجاله ثقات و وصله مسلم (١٦٦٨)، و الترمذي (١٣٦٤) من حديث عمران بن الحصين رضي الله عنه.