أقضية رسول الله(ص) - ابن طلاع القرطبي - الصفحة ١٠٦ - «حكم رسول اللّه
قال معمر: و كان الزهري يفتي به، و روى أبو سلمة عن جابر قال: «قضى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فيمن أعمر عمرى له و لعقبه فهى له بتلة [١] لا يجوز للمعطى فيها شرط و لا ثنيا». قال أبو سلمة:
لأنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث، فقطعت المواريث شرطه [٢].
و في حديث آخر عن جابر قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «العمرى لمن وهبت له» [٣]. قال ابن أبي زيد: و معنى قول النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم): «لا ترجع إلى الذي أعطاها» إنما ذلك ما بقي أحد من عقب المعمر، فإذا انقرضوا رجعت العمرى إلى صاحبها.
و قوله (عليه السلام): «فإنها للذي يعطاها» يعني: النفع، لا الأصل، و دل ذلك أنه ليس كوارث الأصل أن الزوجة لا تدخل فيه، و لا من ليس من العقب المعروف، و عمرتك إنما هو مأخوذ من العمر، و لا فرق بين أجل مضروب و عمر مشترط. و بهذا جرى العمل بالمدينة، و به أخذ مالك انتهى قول ابن أبي زيد.
و تأوّل الشافعي و غيره الحديث المذكور أن العمرى إذا كانت للمعمر و لعقبه أنها لا ترجع إلى المعمر و إن انقرض المعمر و عقبه و ليس ذلك في الحديث مكتوبا.
و قد روي عن أبي حنيفة و الشافعي و سفيان الثوري، و أحمد بن حنبل: أن العمرى كالهبة، و هي ملك لمن أعمرها كانت معقبة أو لم تكن شرط المعمّر أن ترجع إليه أو لم يشترط، و شرطه باطل لا ترجع إليه أبدا و يبيعها المعمّر إن شاء كسائر ماله.
فصح في العمرى ثلاثة أقوال: قول أبي حنيفة، و الشافعي، و مالك، و من ذكر معهم. كما قضى طارق بشهادة جابر و الثالث من فرق بين المعقبة و حياة المعمر خاصة فقال في المعقبة: لا ترجع أبدا إلى المعمر، و إذا لم تكن معقبة ترجع إليه إذا مات المعمر، و اللّه عز و جل أعلم بما أراد نبيه (صلى اللّه عليه و سلم)، إلا أن في كتاب مسلم عن جابر أيضا قال: أعمرت امرأة بالمدينة حائطا لها ابنا لها ثم توفّي و توفيت بعده، و تركت ولدا، و له أخوة بنون للمعمرة، فقال ولد المعمرة: رجع الحائط إلينا، و قال بنو المعمر: بل كان لأبينا حياته و بعد موته، فاختصموا إلى طارق- مولى عثمان- فدعا جابرا فشهد على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أنه حكم بالعمرى لصاحبها، فقضى بذلك طارق، ثم كتب إلى عبد الملك فأخبره ذلك، و أخبره بشهادة جابر، فقال عبد الملك: صدق جابر فأمضى ذلك طارق. و إن ذلك الحائط لبني المعمر حتى اليوم. و ليس في هذا الحديث أنها أعمرت ابنها و عقبه كما وقع في الأحاديث المتقدمة [٤].
[١] بتلة: أي عطية ماضية غير راجعة إلى الواهب.
[٢] رواه مسلم (١٦٢٥ و ٢٤)، و النسائي (٦/ ٢٧٦) و (٢٧٤٧) من حديث جابر رضي الله عنه.
[٣] رواه مسلم (١٦٢٥ و ٢٥) من حديث جابر رضي الله عنه.
[٤] رواه مسلم (١٦٢٥ و ٢٨) من حديث جابر رضي الله عنه.