العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين - الفاسي، محمد بن أحمد - الصفحة ٢٩٢ - ذكر شىء مما رأيته للناس فى أمر ابن عربى، غير ما سبق فى هذا السؤال
ابن الكامل، و أكرمه و ولاه الخطابة بالجامع العتيق بمصر، و القضاء بها مع الوجه القبلى، و تصدى لنشر العلم و الإفادة على أحسن سبيل. و هذا كله لا يخفى على أحد من أهل التحصيل.
و قال ابن مسدى فى ترجمة ابن عربى فى معجمه، بعد أن ذكر ما نقلناه عنه من شيوخ ابن عربى: يلقب بالقشيرى، لقبا غلب عليه لما كان يشير من التصوف إليه، و لقد خاض فى بحر تلك الإشارات، و تحقق بمحيى تلك العبارات، و تكون فى تلك الأطوار، حتى قضى ما شاء من لبانات و أوطار، ثم قال: و له تواليف كثيرة، تشهد له بالتقدم و الإقدام، و مواقف النهايات و مزالق الأقدام.
و كان مقتدرا على الكلام، و لعله ما سلم من الكلام، و عندى من أخباره عجائب، و من صحيح منقولاته غرائب. و كان ظاهرى المذهب فى العبادات، باطنى النظر فى الاعتقادات، و لهذا ما ارتبت فى أمره، و اللّه أعلم بسره.
قال: و من شعره المحكم الفصول، السالم من الفضول قوله (١):
يا غاية السول و المأمول يا سندى* * * شوقى إليك شديد لا إلى أحد
ذبت اشتياقا و وجدا من محبتكم* * * فآه من فرط شوقى آه من كمدى
يدى وضعت على قلبى مخافة أن* * * ينشق صدرى لما خاننى جلدى
ما زال يرفعها طورا و يخفضها* * * حتى وضعت يدى الأخرى لشديدى
انتهى.
و أنشدنى هذه الأبيات و غيرها من شعر ابن عربى أبو هريرة بن الذهبى، إذنا عن القاسم بن مظفر بن عساكر، عن ابن عربى إجازة.
و ذكره القطب القسطلانى- على ما ذكر الأستاذ أبو حيان النحوى- فى كتاب ألفه القطب، فى ذكر الطائفة القائلة بالوحدة المطلقة فى الموجودات، ابتدأ فيه بالحلاج، و ختم فيه بابن سبعين. فقال: انتقل- يعنى ابن عربى- من بلاد الأندلس إلى هذه البلاد بعد التسعين و خمسمائة. و جاور بمكة، و سمع بها الحديث، و صنف «الفتوحات المكية» بها.
و كان له لسان فى التصوف، و معرفة لما انتحاه من هذه المقالات، و صنف بها كتبا كثيرة على مقاصده التى اعتقدها، و نهج فى كثير منها مناهج تلك الطائفة، و نظم فيها أشعارا كثيرة، و أقام بدمشق مدة، ثم انتقل إلى الروم، و حصل له فيها قبول و أموال جزيلة، ثم عاد إلى دمشق، و بها توفى. انتهى.