العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين - الفاسي، محمد بن أحمد - الصفحة ٢٩٠ - ذكر شىء مما رأيته للناس فى أمر ابن عربى، غير ما سبق فى هذا السؤال
و لا يعارض ما صح عن ابن عبد السلام، فى ذم ابن عربى، ما حكاه عنه الشيخ عبد اللّه بن أسعد اليافعى فى كتابه «الإرشاد و التطريز» لأنه قال: و سمعت أن الشيخ الفقيه الإمام عز الدين بن عبد السلام، كان يطعن فى ابن العربى و يقول: هو زنديق.
فقال له يوما بعض أصحابه: أريد أن ترينى القطب. فأشار إلى ابن عربى، و قال:
هذاك هو. فقيل: فأنت تطعن فيه؟ فقال: حتى أصون ظاهر الشرع، أو كما قال، رضى اللّه عنهما.
أخبرنى بذلك غير واحد ما بين مشهور بالصلاح و الفضل، و معروف بالدين، ثقة عدل، من أهل الشام و من أهل مصر، إلا أن بعضهم روى: أريد أن ترينى وليا، و بعضهم روى القطب. انتهى.
و إنما لم يكن ما حكاه اليافعى معارضا لما سبق من ذم ابن عربى؛ لأن ما حكاه اليافعى، بغير إسناد إلى ابن عبد السلام، و حكم ذلك الإطراح، و العمل بما صح إسناده فى ذمه. و اللّه أعلم.
و أظن ظنا قويا، أن هذه الحكاية من انتحال غلاة الصوفية، المعتقدين لابن عربى، فانتشرت حتى نقلت إلى أهل الخير، فتلقوها بسلامة صدر.
و كان اليافعى- (رحمه اللّه)- سليم الصدر فيما بلغنا، و إنما قوى ظنى بعدم صحة هذه الحكاية، لأنها توهم اتحاد زمان مدح ابن عبد السلام لابن عربى، و ذم ابن عبد السلام له.
فإن تعليل ابن عبد السلام ذمه لابن عربى لصيانته للشرع، يقتضى أن ابن عربى، عالى الرتبة فى نفس الأمر، حال ذم ابن عبد السلام له. و هذا لا يصدر من عالم متق.
فكيف بمن كان عظيم المقدار فى العلم و التقوى، كابن عبد السلام؟ و من ظن به ذلك، فقد أخطأ و أثم، لما فى ذلك من تناقض القول.
و لا يعارض ذلك ما يحكى من اختلاف المحدثين فى جرح الراوى و توثيقه؛ لأن الراوى يكون ثقة فى نفسه، و لكنه مع ذلك يلابس أمرا كبدعة، و للمحدثين فى ذلك خلاف، هل هو جرح أو لا؟ فمن عدله من المحدثين، نظر إلى أن ذلك الأمر غير قادح فى الراوى، و من جرحه رأى ذلك الأمر قادحا.
و ربما كان الراوى يخطئ أحيانا أو يقل ضبطه بالنسبة إلى غيره، فيرى بعض المحدثين