الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٤٢٨ - ٥١٢- علة قلة البيض إذا كثر الدجاج
٥١١-[فراخ الدجاج و فراخ الحمام]
و الموت إلى الدّجاج سريع جدّا، العادة في صغار فراريجها خلاف ما عليها نتوّ فراخ الحمام، لأنّ الفرّوج تتصدّع عنه البيضة فهو كيّس ظريف، مليح مقبول، محبّ، غنيّ بنفسه، مكتف بمعرفته، بصير بموضع معيشته من لقط الحب، و من صيد الذّباب و صغار الطير من الهوامّ. و يخرج كاسيا حتى كأنّه من أولاد ذوات الأربع.
و يخرج سريع الحركة شديد الصوت حديده، يدعى بالنّقر فيجيب، و لا يقال له: قر، قر، ثلاث مرّات-حتى يلقنه. فإن استدبره مستدبر و دعاه عطف عليه، و تتّبع الذي يطعمه و يلاعبه، و إن تباعد من مكانه الأوّل. فهو آلف شيء. ثمّ كلما مرّت عليه الأيام ماق و حمق، و نقص كيسه، و أقبل قبحه و أدبر ملحه. فلا يزال كذلك حتى ينسلخ من جميع ما كان يحبّ له إلى ضدّ ذلك، و يصير من حالة إلى حال لم يبلغ الانتفاع بذبحه و بيضه و فراريجه. و ذهب عنهم الاستمتاع بكيسه. و لا يكاد يقبل الشّحم. حتى يلحق بأبيه، و كذلك إن كانت أنثى، لا تقبل السّمن، و لا تحمل اللّحم حتّى تكاد تلحق بأمّها في الجثّة.
و الفرخ يخرج حارضا [١] ساقطا، أنقص من أن يقال له مائق، و أقبح شيء، و هو في ذلك عاري الجلد مختلف الأوصال متفاوت الأعضاء، ضعيف الحوصلة، عظيم المنقار، فكلمّا مرّت به الأيّام زادت في لحمه و شحمه، و في معرفته و بصره، حتى إذا بلغ خرج منه من الأمور المحمودة ما عسى لو أنّ واصفا تتبّع ذلك لملأ منه الأجلاد الكثيرة. ثم إذا جاز حدّ الفراخ إلى حدّ النواهض [٢] ، إلى حدّ العتّق و المخالب [٣] ، قلّ لحمه و ذهب شحمه على حساب ذلك ينقص. فإذا تمّ و انتهى لم تكن في الأرض دابّة و لا طائر أقلّ شحما و لا أخبث لحما منه، و لا أجدر ألاّ يقبل شيئا من السّمن و لو تخيّروا له فؤارة [٤] المسمنات و ما يسمّن به-ما سمن.
٥١٢-[علة قلة البيض إذا كثر الدجاج]
و سألت عن السّبب الذي صار له الدّجاج إذا كثرن قلّ بيضهنّ و فراخهنّ، فزعموا أنّها في طباع النّخل، فإن النّخلة إذا زحمت أختها، بل إذا مسّ طرف سعفها
[١] الحارض: المريض و المشرف على الهلاك، و من لا يرجى خيره. «القاموس: حرض» .
[٢] الناهض: الفرخ الذي وفر جناحاه و نهض للطيران. «القاموس: نهض» .
[٣] العاتق: فرخ الطائر إذا طار. «القاموس: عتق» .
[٤] الفؤارة: حلبة و تمر يطبخ للنفساء. «القاموس: فأر» .