الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٣٨٩ - ٤٥٢- طعن صاحب الكلب في الديك
و يصطاد فيتحوّل عن وطنه عشر حجج، ثمّ هو على ثبات عهده و قوّة عقده، و على حفاظه و إلفه، و النّزاع إلى وطنه. فإن وجد فرجة و وافق جناحه وافيا وافاه و صار إليه، و إن كان جناحه مقصوصا جدف [١] إلى أهله، و تكلّف المضيّ إلى سكنه، فإمّا بلغ و إمّا أعذر.
و الخطّاف يقطع إليهم من حيث لا يبلغه خبر، و لا يطؤه صاحب سفر؛ على أنّا لا نراه يتّخذ وكره إذا صار إليهم إلاّ في أحصن موضع، و لا يحمله الأنس بهم على ترك التّحرّز منهم، و الحزم في ملابستهم، و لا يحمله الخوف منهم على منع نفسه لذّة السّكون إليهم، و لا يبخس الارتفاق بهم حظّه.
و العصافير لا تقيم في دار إلاّ و هي مسكونة، فإن هجرها الناس لم تقم فيها العصافير.
و السّنّور يعرف ربّة المنزل، و يألف فرخ الحمام، و يعابث فراريج الدار. إن سرق و ربط شهرا عاد عند انفلاته، و انحلال رباطه.
و الهرّة تعرف ولدها و إن صار مثلها، و إن أطعمت شيئا حملته إليه و آثرته به.
و ربّما ألقي إليها الشيء فتدنو لتأكله، و يقبل ولدها فتمسك عنه، و ترضّه له. و ربّما طرح لها الشيء و ولدها غائب عنها-و لها ضروب من النّغم، و أشكال من الصّياح- فتصيح ضربا من الصّياح يعرف أهل الدّار أنّه صياح الدّعاء لا غير ذلك. و يقال: «أبرّ من هرّة» [٢] .
و متى أرادت ما يريد صاحب الغائط، أتت مواضع تراب في زاوية من زوايا الدّار فتبحثه، حتّى إذا جعلت له مكانا كهيئة الحفرة جعلته فيها ثمّ غطّته من ذلك التّراب، ثمّ تشمّمت أعلى ذلك التراب و ما ظهر منه، فإن وجدت شيئا من الرائحة زادت عليها ترابا، فلا تزال كذلك حتّى تعلم أنّها قد أخفت المرئيّ و المشموم جميعا [٣] . فإن هي لم تجد ترابا خمشت وجه الأرض، أو ظهر السّطح، حتّى تبلغ في الحفر المبلغ، و من ستر ذلك المجهود.
و زعم ناس من الأطبّاء أن السّنّور يعرف وحده ريح رجعه، فإنما يستره لمكان شمّ الفأر له، فإنها تفرّ من تلك الرائحة. أو يغطّيه لما يكون فيه من خلق من أخلاق
[١] جدف الطائر: طار و هو مقصوص؛ كأنه يرد جناحيه إلى خلفه. «القاموس: جدف» .
[٢] مجمع الأمثال ١/١١٦، و المستقصى ١/١٧، و جمهرة الأمثال ١/٢٤٣، و الدرة الفاخرة ١/٨٢.
[٣] انظر ربيع الأبرار ٥/٤٧٢.