الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٣٧١ - ٤٣٦- نعت النّظام
النّاس خلقا و أوزنهم حلما، حتّى إذا صار في رأسه رطل كان أخفّ من فراشة [١] ، و أكثر نزوا من جرادة رمضة [٢] ، فإنّ المثل بها يضرب.
٤٣٥-[سبب ما له عرف المعتزلة سكر البهائم]
و كان سبب ما له عرف أصحابنا سكر البهائم. أنّ محمّد بن عليّ بن سليمان الهاشميّ لمّا شرب على علّويه كلب المطبخ، و على الدّهمان، و على شرّاب البصريّين، و على كلّ من نزع إليه من الأقطار، و تحدّاه من الشّراب الجوادّ من الشّرّاب، أحبّ أن يشرب على الإبل من البخاتيّ و العراب، ثمّ على الظّلف من الجواميس و البقر، ثم على الخيل العتاق و البراذين، فلمّا فرغ من كلّ عظيم الجثة واسع الجفرة [٣] . صار إلى الشاء و الظّباء، ثمّ صار إلى النّسور و الكلب و إلى ابن عرس، و حتّى أتاهم حاو فأرغبوه، فكان يحتال لأفواه الحيّات حتّى يصبّ في حاقّ [٤] أجوافها بالأقماع المدنيّة، و بالمساعط، و يتّخذ لكلّ شيء شكله، و كان ملكا تواتيه الأمور، و تطيعه الرجال، فأبصروا تلك الاختلافات في هذه الأجناس المختلفة.
٤٣٦-[نعت النّظام]
فخبّرني أبو إسحاق إبراهيم النّظام، و قد كان جالسه حينا-و كان إبراهيم مأمون اللّسان، قليل الزّلل و الزّيغ في باب الصدق و الكذب. و لم أزعم أنّه قليل الزّيغ و الزّلل على أنّ ذلك قد كان يكون منه و إن كان قليلا، بل إنّما قلت على مثل قولك: فلان قليل الحياء، و أنت لست تريد هناك حياء البتة، و ذلك أنّهم ربّما وضعوا القليل في موضع ليس. و إنما كان عيبه الذي لا يفارقه سوء ظنّه، و جودة قياسه على العارض و الخاطر و السابق الذي لا يوثق بمثله. فلو كان بدل تصحيحه القياس التمس تصحيح الأصل الذي كان قاس عليه أمره على الخلاص، و لكنّه كان يظنّ ثمّ يقيس عليه و ينسى أنّ بدء أمره كان ظنّا فإذا أتقن ذلك و أيقن، جزم عليه، و حكاه عن صاحبه حكاية المستبصر في صحّة معناه. و لكنّه كان لا يقول سمعت، و لا رأيت. و كان كلامه إذا خرج مخرج الشّهادة القاطعة لم يشكّ السامع أنّه إنّما حكى ذلك عن سماع قد امتحنه، أو عن معاينة قد بهرته.
[١] مجمع الأمثال ١/٢٥٤، و المستقصى ١/١٠٤، و جمهرة الأمثال ١/٤٢٨.
[٢] في الأمثال: (أنزى من جرادة) و المثل في المستقصى ١/٣٠٩، و برواية: (أنزى من جراد) في مجمع الأمثال ٢/٣٥٦، ٣٩٢، و جمهرة الأمثال ٢/٣٢٣. الرمضة: التي أصابها الرمض، أي شدة الحر.
[٣] الجفرة: جوف الصدر، و من الفرس وسطه.
[٤] حاق: وسط.