الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٣٧٠ - ٤٣٤- سكر العمّي
و كان بين عقل زبيد بن حميد إذا شرب عشرة أرطال، و بين عقله إذا ابتدأ الشرب، مقدار صالح.
٤٣٤-[سكر العمّي]
و إمّا العمّيّ فإنّ بني عبد الملك الزياديّين دعوني مرّة ليعجّبوني منه، و لم ينبّهوني على هذه الخاصّة التي فيه، لأكون أنا الذي أنتبه عليه، فدخلت على رجل ضخم فدم [١] غليظ اللسان، غليظ المعاني، عليه من الكلام أشل المئونة، و في معانيه اختلاف، ليس منها شيء يواتي صاحبه و لا يعاونه و لا يشاركه و لا يناسبه، و حتّى ترى أنّ أذنه في شقّ و لسانه في شقّ، و حتّى تظنّ أنّ كلامه كلام محموم أو مجنون، و أنّ كلّ واحد منهما يقطع نظام المعاني، و يخلط بين الأسافل و الأعالي. فشرب القوم شرب الهيم [٢] ، و كانت لهم أجساد مدبرة، و أجواف منكرة، و كنت كأنّي رجل من النّظّارة. فما زال العمّيّ يشرب رطلا، و يرقّ لسانه، و ينحلّ عقده [٣] ، و يصفو ذهنه، و يذهب كدره. و لو قلت إنّي لم أر مثله حسن نفس كنت صادقا. فالتفت إليّ القوم أجمعهم فقالوا: لو لا هذا العجب ما عجّبناك اليوم مع حداثة عهدنا بك.
و زعم العمّيّ و كان كثير المنازعة عند القضاة، أنّه كان إذا قارب العشرة الأرطال ثمّ نازع الخصوم، كان ذلك اليوم الذي يفوت فيه ذرع الخصوم [٤] للحن بحجّته [٥] ، و يستميل فيه رأي القاضي المنعقد في مجلسه الطويل، القطوب في وجه من نازع إليه.
و قال الشاعر: [من الطويل]
وجدت أقلّ النّاس عقلا إذا انتشى # أقلّهم عقلا إذا كان صاحيا [٦]
تزيد حسى الكاس السّفيه سفاهة # و تترك أخلاق الرّجال كما هيا [٧]
قال: و هذا شعر بعض المولّدين، و الأعاريب لا تخطئ هذا الخطأ؛ قد رأينا أسفه الناس صاحيا أحلم الناس سكران؛ و هو مرداس صاحب زهير، و رأينا أحسن
[١] الفدم: الأحمق.
[٢] الهيم: الإبل العطاش.
[٣] عقدة: بمعنى قوته.
[٤] فات ذرعهم: غلبهم.
[٥] اللحن: أن يفطن المرء لحجته.
[٦] البيتان لأبي نواس في ديوانه ٢١٣، و بلا نسبة في ديوان المعاني ١/٣٢٤.
[٧] رواية صدر البيت في الديوان (تزيد سفيه القوم فضل سفاهة) . الحسى: جمع حسوة، و هي المرة من الحسو.