الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٣٦٩ - ٤٣٣- تباين درجات السّكر لدى الحيوان
في أدب، و لا في اعتدال من الأخلاط، و الصحّة من المزاج، ثمّ لا يعرض من ذلك إلاّ ما لا حيلة له فيه، كما كان يعرض لبشر بن أبي عمرو بن العلاء النحويّ المازنيّ و كما عرض لعبد الرحمن و منصور الأسديّين، فما زالا كذلك حتّى ماتا، و لم يبلغنا أنهما صرعا.
٤٣٢-[الموتة]
و الموتة [١] جنس من الصّرع، إلاّ أنّ صاحبه إذا أفاق عاد إلى كمال عقله كالنائم و السكران و المغشيّ عليه، و إن عاش صاحب الموتة في ذلك مائة عام.
و ليس يلقى شيء من الحيوان في هذا الباب كما يلقى الورشان.
٤٣٣-[تباين درجات السّكر لدى الحيوان]
و أمّا السّكر فليس شيء من الحيوان إلاّ و هو يسكر، و اختلاف سكره كاختلاف سكر الإنسان، فإنّ من الناس من تراه يتحدّث و هو يشرب فلا تنكر منه شيئا، حتّى يغلب عليه نوم السّكر ضربة واحدة، و منهم من تراه و النبيذ يأخذ منه الأوّل فالأوّل، و تراه كيف تثقل حركته، و يغلظ حسّه و يتمحّق، حتى يطيش عليه السّكر بالعبث، و يطبق عليه النوم. و منهم من يأخذه بالعبث لا يعدوه. و منهم من لا يرضى بدون السّيف، و إلا بأن يضرب أمّه و يطلّق امرأته. و منهم من يعتريه البكاء، و منهم من يعتريه الضّحك، و منهم من يعتريه الملق و التّفدية، و التّسليم على المجالس، و التّقبيل لرءوس الناس، و منهم من يرقص و يثب، و يكون ذلك على ضربين: أحدهما من العرض [٢] و فضل الأشر [٣] ، و الآخر تحريك المرارة، و هي علّة الفساد و هيجان الآفة.
و كلّ هذه الحالات و الصّور، و العنوت، و الأجناس، و التوليد، الذي يختلف في طبائع الناس، و طبائع الأشربة؛ و طبائع البلدان و الأزمان و الأسنان، و على قدر الأعراق و الأخلاق، و على قدر القلّة و الكثرة، و على قدر التصريف و التوفيق، قد وجدوه في جميع أصناف الناس و الحيوان، إلاّ أنّ في الناس واحدة لم توجد في سائر الحيوان قط، فإنّ في الناس من لا يسكر البتّة، كان[منهم]محمد بن الجهم و أبو عبد اللّه العمّيّ.
[١] الموتة: الغشي و الظنون.
[٢] العرض: الجنون و ذهاب العقل.
[٣] الأشر: المرح.