الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٣٥٤ - ٣٩٩- واقية الكلاب
و قد تراه و ما يصنع بالعظم المدمج، و بالفقرة من الصّلب القاسي الذي ليس بالنّخر البالي، و لا بالحديث العهد بالودك الذي يلين معه بالمضغ و يطيب، فتراه كيف يرضّه و يفتّته، ثمّ إن مانعه بعض الممانعة، و وافق منه بعض الجوع، كيف يبتلعه و هو واثق باستمرائه و هضمه، أو بإذابته و حلّه.
و له ضروب من النّغم، و أشكال من الأصوات، و له نوح و تطريب، و دعاء و خوار، و هرير و عواء، و بصبصة، و شيء يصنعه عند الفرح، و له صوت شبيه بالأنين إذا كان يغشى الصيد، و له إذا لاعب أشكاله في غدوات الصّيف شيء بين العواء و الأنين.
و له وطء للحصى مثله بأن لو وطئ الحصى على أرض السطوح لا يكون مثله وطء الكلب يربى على وزنه مرارا [١] .
و إذا مرّ على واد جامد ظاهر الماء، تنكّب مواضع الخرير في أسفله.
قال الشاعر-و رأى رجلا اسمه وثّاب و اسم كلبه عمرو-فقال: [من مجزوء الوافر]
و لو هيّا له اللّه # من التّوفيق أسبابا [٢]
لسمّى نفسه عمرا # و سمّى الكلب وثّابا
٣٩٨-[أطباء الكلبة و الخنزيرة و الفهدة]
قال: و الكلبة كثيرة الأطباء، و كذلك الخنزيرة. و للفهدة أربعة أطباء من لدن صدرها و قرب إبطيها إلى رفغيها [٣] ، و للفيل حلمتان تصغران عن جثّته. و هما مما يلي الصّدر مثل الإنسان، و الذّكر في ذلك يشبّه بالرجل؛ لأن للرجل ثديين صغيرين عن جثته.
٣٩٩-[واقية الكلاب]
و يقال: إنّ على الكلاب واقية من عبث السّفهاء و الصّبيان بها. قال دريد بن الصّمّة، حين ضرب امرأته بالسيف و لم يقتلها: [من الوافر]
أقرّ العين أن عصبت يداها # و ما إن يعصبان على خضاب [٤]
[١] يبدو السياق غير مستقيم؛ و لعله يريد أن يقول: «و له وطء للحصى مثّله بعضهم بأن لو وطئ الخصيّ على أرض السطوح لا يكون وطؤه مثل وطء الكلب أو وزنه-أي وزن الخصي-يربى على وزنه مرارا. قلت: و قد ذكر الجاحظ في الفقرة (٧٨) شدة وطء الخصي للأرض.
[٢] تقدم البيتان في نهاية الفقرة ٢٧٧.
[٣] الرفغ: أصل الفخذ.
[٤] ديوان دريد بن الصمة ٣٩، و ثمار القلوب ٣١٨ (٥٩١) ، و الأغاني ١٠/١٩.