الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٣٤٣ - ٣٧٥- نعاس الكلب
تنقضي الحرب التي بينهم فيجتمعوا عليك!فنهاهم عن ذلك و خطّأ رأيهم، فأبوا عليه إلاّ أن يغزوا العرب في بلادهم. فلمّا رأى ذلك منهم أمر بكلبين فحرّش بينهما، فاقتتلا قتالا شديدا، ثمّ دعا بثعلب فخلاّه، فلما رأى الكلبان الثعلب، تركا ما كانا فيه، و أقبلا عليه حتّى قتلاه، فقال ملك الروم: كيف ترون!؟هكذا العرب، تقتتل بينها، فإذا رأونا تركوا ذلك و اجتمعوا علينا فعرفوا صدقه، و رجعوا عن رأيهم.
٣٧٤-[كرم الكلاب]
قال: و قال المغيرة لرجل خاصم إليه صديقا له، و كان الصديق توعّده بصداقة المغيرة، فأعلمه الرجل ذلك، و قال: إنّ هذا يتوعّدني بمعرفتك إيّاه، و زعم أنّها تنفعه عندك. قال [١] : أجل!إنّها و اللّه لتنفع، و إنّها لتنفع عند الكلب العقور [٢] !.
فإذا كان الكلب العقور كذلك، فما ظنّك بغيره؟و أنت لا تصيب من الناس من تنفع عنده المعرفة من ألف واحدا.
و هذا الكرم في الكلاب عامّ. و الكلب يحرس ربّه، و يحمي حريمه شاهدا و غائبا، و ذاكرا و غافلا، و نائما و يقظان، و لا يقصّر عن ذلك و إن جفوه، و لا يخذلهم و إن خذلوه.
٣٧٥-[نعاس الكلب] [٣]
و الكلب أيقظ الحيوان عينا في وقت حاجتهم إلى النوم، و إنّما نومه نهارا، عند استغنائهم عن حراسة، ثمّ لا ينام إلاّ غرارا و إلاّ غشاشا [٤] . و أغلب ما يكوم النّوم عليه و أشدّ ما يكون إسكارا له أن يكون كما قال رؤبة: [من الرجز]
لاقيت مطلا كنعاس الكلب [٥]
يعني بذلك القرمطة في المواعيد.
و كذلك فإنّه أنوم ما يكون أن يفتح عينه بقدر ما يكفيه للحراسة، و ذلك ساعة،
[١] ورد قول المغيرة في البيان و التبيين ٣/٢٨٠.
[٢] بعده في البيان و التبيين «و الجمل الصئول، فكيف بالرجل الكريم» . العقور: الذي يعض و يجرح.
[٣] وردت هذه الفقرة في ثمار القلوب (٥٨٩) .
[٤] الغرار و الغشاش: النوم القليل.
[٥] ديوان رؤبة ١٧.