الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٣٤٢ - ٣٧٣- اتحاد المتعاديين في وجه عدوّهما المشترك
٣٧٢-[اتّق شر من أحسنت إليه]
أبو الحسن عن أبي مريم قال: كان عندنا بالمدينة رجل قد كثر عليه الدّين حتّى توارى من غرمائه، و لزم منزله. فأتاه غريم له عليه شيء يسير، فتلطّف حتّى وصل إليه، فقال له: ما تجعل لي إن أنا دللتك على حيلة تصير بها إلى الظهور و السّلامة من غرمائك؟قال: أقضيك حقّك، و أزيدك ممّا عندي ممّا تقرّ به عينك.
فتوثّق منه بالأيمان، فقال له: إذا كان غدا قبل الصّلاة مر خادمك يكنس بابك و فناءك و يرشّ، و يبسط على دكّانك حصرا، و يضع لك متّكأ، ثمّ أمهل حتى تصبح و يمرّ الناس، ثمّ تجلس، و كلّ من يمرّ عليك و يسلّم انبح له في وجهه، و لا تزيدنّ على النّباح أحدا كائنا من كان، و من كلّمك من أهلك أو خدمك أو من غيرهم، أو غريم أو غيره، حتّى تصير إلى الوالي فإذا كلّمك فانبح له، و إيّاك أن تزيده أو غيره على النّباح؛ فإنّ الوالي إذا أيقن أنّ ذلك منك جدّ لم يشكّ أنّه قد عرض لك عارض من مسّ فيخلّي عنك، و لا يغري عليك. قال: ففعل، فمرّ به بعض جيرانه فسلّم عليه، فنبح في وجهه، ثم مرّ آخر ففعل مثل ذلك، حتّى تسامع غرماؤه فأتاه بعضهم فسلّم عليه فلم يزده على النّباح، ثمّ آخر، فتعلّقوا به فرفعوه إلى الوالي، فسأله الوالي فلم يزده على النّباح، فرفعه معهم إلى القاضي، فلم يزده على ذلك، فأمر بحبسه أيّاما و جعل عليه العيون، و ملك نفسه و جعل لا ينطق بحرف سوى النّباح، فلمّا رأى القاضي ذلك أمر بإخراجه و وضع عليه العيون في منزله، و جعل لا ينطق بحرف إلاّ النباح، فلما تقرّر ذلك عند القاضي أمر غرماءه بالكفّ عنه، و قال: هذا رجل به لمم [١] . فمكث ما شاء اللّه تعالى. ثمّ إنّ غريمه الذي كان علّمه الحيلة، أتاه متقاضيا لعدته فلمّا كلمه جعل لا يزيده على النّباح، فقال له ويلك يا فلان!!و عليّ أيضا، و أنا علّمتك هذه الحيلة؟!فجعل لا يزيده على النّباح، فلمّا يئس منه انصرف يائسا مما يطالبه به.
٣٧٣-[اتحاد المتعاديين في وجه عدوّهما المشترك]
قال أبو الحسن عن سلمة بن خطّاب الأزديّ، قال: لمّا تشاغل عبد الملك بن مروان بمحاربة مصعب بن الزّبير، اجتمع وجوه الرّوم إلى ملكهم فقالوا له: قد أمكنتك الفرصة من العرب، بتشاغل بعضهم مع بعض، لوقوع بأسهم بينهم، فالرأي لك أن تغزوهم إلى بلادهم، فإنّك إن فعلت ذلك بهم نلت حاجتك، فلا تدعهم حتّى
[١] اللمم: الجنون.