الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٣٢٩ - ٣٥٤- أسمح من لافظة
إذا شاء، و إتمامه إذا شاء، و بلوغ غايته، و الانصراف عنه إلى عقيبه من الأفعال، و من جهته تعرّف العلل، و يمكنه إكراه نفسه على المقاييس و التكلّف و التأتّي.
و متى كانت الآلة موجودة فإنّها تنبيك على مكانها، و إلاّ كان وجودها كعدمها. و بالحسّ الغريزيّ تشعر صاحبها بمكانها، لا يحتاج في ذلك إلى تلقين و إشارة، و إلى تعليم و تأديب، و إن كان صاحب الآلة أحمق من الحبارى [١] ، و أجهل من العقرب [٢] ، و العاقل الممكّن لا يفضل في هذا المكان على الأشياء المسخّرة، و لا ينفصل منها في هذا الباب.
٣٥٣-[الإلهام في الحيوان]
و ليس عند البهائم و السباع إلاّ ما صنعت له، و نصبت عليه، و ألهمت معرفته و كيفيّة تكلّف أسبابها و التعلّم لها من تلقاء أنفسها. فإذا أحسن العنكبوت نسج ثويّه [٣] و هو من أعجب العجب، لم يحسن عمل بيت الزنبور. و إذا صنع النّحل خلاياه مع عجيب القسمة التي فيها، لم يحسن أن يعمل مثل بيت العنكبوت.
و السّرفة-التي يقال: «أصنع من سرفة» [٤] لا تحسن أن تبني مثل بيت الأرضة، على جفاء هذا العمل و غلظه، و دقّة ذلك العمل و لطافته.
و ليس كذلك العاقل و صاحب التمييز، و من ملك التصرّف، و خوّل [٥]
الاستطاعة، لأنّه يكون ليس بنجّار فيتعلّم النّجارة، ثمّ يبدو له بعد الحذق الانتقال إلى الفلاحة. ثمّ ربّما ملها بعد أن حذقها، و صار إلى التجارة.
٣٥٤-[أسمح من لافظة]
و قال صاحب الكلب: و زعمت أنّ قولهم «أسمح من لافظة» [٦] أن اللافظة الدّيك، لأنّه يعضّ على الحبّة بطرفي منقاره. ثمّ يحذف بها قدّام الدّجاجة. و ما رأينا
[١] المثل في المستقصى ١/٧٤، و الدرة الفاخرة ١/١٣٣.
[٢] المثل في المستقصى ١/٥٨، و مجمع الأمثال ١/١٨٩، و جمهرة الأمثال ١/٣٣٤، و الدرة الفاخرة ١/١٠٧.
[٣] الثوي: البيت.
[٤] المثل في مجمع الأمثال ١/٤١١، و المستقصى ١/١١٣، و أمثال ابن سلام ٣٦٣، و جمهرة الأمثال ١/٥٨٣.
[٥] خوّله الشيء: ملّكه إياه و أعطاه.
[٦] مجمع الأمثال ١/٣٥٣، و المستقصى ١/١٧١، و فصل المقال ٤٩٤، و جمهرة الأمثال ١/٥٣١، و الدرة الفاخرة ١/٢٢٨.