الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٣٢٠ - ٣٤٤- أدب الكلب
السّرور، و حنين الإلف. ثمّ لم ألبث أن رأيت الخادم طالعا علينا، و إنّ الكلب ليلتفّ على ساقيه، و يرتفع إلى فخذيه، و ينظر في وجهه، و يصيح صياحا يستبين فيه الفرح.
و لقد بلغ من إفراط سروره أنّي ظننت أنّه عرض [١] . ثمّ كان بعد ذلك يغيب الشّهرين و الثلاثة، أو يمضي إلى بغداد ثم يرجع إلى العسكر بعد أيّام، فأعرف بذلك الضّرب من البصبصة [٢] ، و بذلك النوع من النّباح، أنّ الخادم قدم. حتّى قلت لبعض من عندي: ينبغي أن يكون فلان قد قدم، و هو داخل عليكم مع الكلب.
و زعم لي أنّه ربّما ألقي لهذا الجرو إلى أن صار كلبا تامّا، بعض الطعام فيأكل منه ما أكل، ثم يمضي بالباقي فيخبئه. و ربّما ألقي إليه الشيء و هو شبعان فيحتمله، حتّى يأتي به بعض المخابئ فيضعه هناك، حتّى إذا جاع رجع إليه فأكله [٣] .
٣٤٤-[أدب الكلب]
و زعم لي غلماني و غيرهم من أهل الدّرب، أنّه كان ينبح على كلّ راكب يدخل الدرب إلى عراقيب برذونه، سائسا كان أو صاحب دابّة إلاّ أنّه كان إذا رأى محمد بن عبد الملك داخلا إلى باب الدرب أو خارجا منه، لم ينبح البتّة، لا عليه و لا على دابّته، بل كان لا يقف له على الباب و لا على الطريق، و لكنّه يدخل الدّهليز سريعا، فسألت عن ذلك فبلغني أنه كان إذا أقبل صاح به الخادم، و أهوى له بالضّرب، فيدخل الدّهليز، و أنه ما فعل ذلك به إلاّ ثلاث مرار، حتّى صار إذا رأى محمّد بن عبد الملك، دخل الدّهليز من تلقاء نفسه، فإذا جاوز وثب على عراقيب دوابّ الشاكريّة [٤] .
و رأيت هذا الخبر عندهم مشهورا.
قال: و كنّا إذا تغدّينا دنا من الخوان فزجرناه مرّة أو مرّتين، فكان لا يقربنا، لمكان الزّجر، و لا يبعد عن الخوان لعلّة الطمع، فإن ألقينا إليه شيئا أكله ثمّ، و دنا من أجل ذلك بعض الدّنوّ. فكنّا نستظهر عليه، فنرمي باللّقمة فوق مربضه بأذرع. فإذا أكلها ازداد في الطّمع، فقرّبه ذلك من الخوان، ثمّ يجوز موضعه الذي كان فيه. و لو لا ما كنا نقصد إليه من امتحان ما عنده، ليصير ما يظهر لنا حديثا، لكان إطعام الكلب و السّنّور من الخوان خطأ من وجوه: أوّلها أن يكون يصير له به دربة، حتّى إنّ منها ما يمدّ يده إلى ما على المائدة حتّى ربما تناول بفيه ما عليها، و ربّما قاء الذي يأكل
[١] عرض: أصابه الجنون.
[٢] البصبصة: تحريك الكلب ذنبه.
[٣] الخبر في ربيع الأبرار ٥/٤٢١.
[٤] الشاكري: الأجير المستخدم.