الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٣١٩ - ٣٤٣- قصّة أخرى في وفاء كلب
٣٤٠-[سلاح الكلب و سلاح الدّيك]
قالوا: فليس الدّيك من بابة الكلب؛ لأنّه إن ساوره قهره قهرا ذريعا. و سلاح الكلب الذي هو في فيه، أقوى من صيصة [١] الديك التي في رجله، و صوته أندى و أبعد مدى و عينه أيقظ.
٣٤١-[دفاع عن الكلب]
و الكلب يكفي نفسه و يحمي غيره، و يعول أهله، فيكون لصاحبه غنمه و ليس عليه غرمه. و لما يرمح [٢] الدوابّ من الناس، و لما يحرن و يجمع، و تنطح و تقتل أهلها في يوم واحد، أكثر ممّا يكون من جميع الكلاب في عام.
و الكبش ينطح فيعقر و يقتل، من غير أن يهاج و يعبث به.
و البرذون يعضّ و يرمح من غير أن يهاج به و يعبث.
و أنت لا تكاد ترى كلبا يعضّ أحدا إلاّ من تهييج شديد، و أكثر ذلك أيضا إنّما هو النّباح و الوعيد.
٣٤٢-[معرفة الكلب صاحبه و فرحه به]
و الكلب يعرف وجه ربّه من وجه عبده و أمته، و وجه الزائر. حتّى ربّما غاب صاحب الدار حولا مجرّما، فإذا أبصره قادما اعتراه من الفرح و البصبصة [٣] ، و العواء الذي يدلّ على السرور، و على شدّة الحنين ما لا يكون فيه شيء فوقه.
٣٤٣-[قصّة أخرى في وفاء كلب]
و خبّرني صديق لي قال: كان عندنا جرو كلب، و كان لي خادم لهج بتقريبه، مولع بالإحسان إليه، كثير المعاينة له، فغاب عن البصرة أشهرا، فقلت لبعض من عندي: أ تظنون أنّ فلانا (يعني الكلب) يثبت اليوم صورة فلان (يعني خادمه الغائب) و قد فارقه و هو جرو، و قد صار كلبا يشغر ببوله؟قالوا: ما نشك أنّه قد نسي صورته و جميع برّه كان به. قال: فبينا أنا جالس في الدار إذ سمعت من قبل باب الدار نباحه، فلم أر شكل نباحه من التأنّب و التعثيث [٤] و التوعّد، و رأيت فيه بصبصة
[١] الصيصة: شوكة في رجل الديك.
[٢] رمح: رفس.
[٣] البصبصة: تحريك الكلب ذنبه.
[٤] التعثيث: ترجيع الصوت.