الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٣١٦ - ٣٣٥- قصّة في وفاء الكلب
و إنّ اللحم ليكون بيني و بينه الذراعان و الثلاث الأذرع، فما أجد ريحه إلاّ بعد أن أدنيه من أنفي. و كلّ ذلك عجب.
و لم أجد أهل سكّة أصطفانوس [١] ، و دار جارية، و باعة مربّعة بني منقر [٢]
يشكّون أنّ كلبا كان يكون في أعلى السكة، و كان لا يجوز محرس الحارس أيام الأسبوع كلّه، حتّى إذا كان يوم الجمعة أقبل قبل صلاة الغداة، من موضعه ذلك إلى باب جارية، فلا يزال هناك ما دام على معلاق الجزّار شيء من لحم. و باب جارية تنحر عنده الجزر في جميع أيّام الجمع خاصّة، فكان ذلك لهذا الكلب عادة، و لم يره أحد منهم في ذلك الموضع في سائر الأيّام، حتّى إذا كان غداة الجمعة أقبل! فليس يكون مثل هذا إلاّ عن مقداريّة بمقدار ما بين الوقتين.
و لعلّ كثيرا من الناس ينتابون بعض هذه المواضع في يوم الجمعة، إمّا لصلاة، و إمّا لغير ذلك، فلا يعدمهم [٣] النّسيان من أنفسهم، و الاستذكار بغيرهم. و هذا الكلب لم ينس من نفسه، و لا يستذكر بغيره.
و زعم هؤلاء بأجمعهم أنّهم تفقّدوا شأن هذا الكلب منذ انتبهوا لصنيعه هذا، فلم يجدوه غادر ذلك يوما واحدا. فهذا هذا.
٣٣٥-[قصّة في وفاء الكلب]
و أنشد أبو الحسن بن خالويه عن أبي عبيدة لبعض الشعراء: [من الطويل]
يعرّد عنه جاره و شقيقه # و ينبش عنه كلبه و هو ضاربه
قال أبو عبيدة: قيل ذلك لأنّ رجلا خرج إلى الجبّان ينتظر ركابه فأتبعه كلب كان له، فضرب الكلب و طرده، و كره أن يتبعه، و رماه بحجر، فأبى الكلب إلاّ أن يذهب معه، فلما صار إلى الموضع الذي يريد فيه الانتظار، ربض الكلب قريبا منه، فبينا هو كذلك إذ أتاه أعداء له يطلبونه بطائلة لهم عنده، و كان معه جار له و أخوه دنيا، فأسلماه و هربا عنه، فجرح جراحات و رمي به في بئر غير بعيدة القعر، ثم حثوا عليه من التراب حتّى غطّى رأسه ثم كمّم فوق رأسه منه، و الكلب في ذلك
[١] أصطفانوس: موضع في البصرة، مسماة باسم كاتب نصراني كان في أيام زياد؛ أو ما قاربها. معجم البلدان (أصطفانوس) .
[٢] مربعة بني منقر: موضع بالبصرة.
[٣] البيت مع الخبر في تأويل مختلف الحديث ١٦٦، و ربيع الأبرار ٥/٤٢١. التعريد: الفرار.