الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٣١٤ - ٣٣٣- مهارة الكلب في الاحتيال للصيد
و كذلك صار بعض الفرسان الأبطال إذا عاين العدوّ قطّر إلى أن يذهب عنه، لهول الجنان.
و إذا حقب [١] التّيس لم يستطع البول مع شدّة الحضر، و مع النّفز و الزّمع [٢] ، و وضع القوائم معا و رفعها معا، في أسرع من الطّرف فيثقل عدوه، و يقصر مدى خطاه، و يعتريه البهر حتّى يلحقه الكلب فيأخذه.
و العنز من الظّباء إذا اعتراها البول من شدّه الفزع لم تجمعه، و حذفت به كإيزاغ المخاض الضّوارب [٣] ، لسعة السّبيل و سهولة المخرج، فتصير لذلك أدوم شدّا، و أصبر على المطاولة.
فهذا شيء في طبع الكلب معرفته، دون سائر الحيوان.
و الكلب المجرّب لا يحتاج في ذلك إلى معاناة، و لا إلى تعلّم، و لا إلى رويّة و لا إلى تكلف، قد كفاه ذلك الذي خلق العقل و العاقل و المعقول، و الداء و الدواء و المداواة و المداوي، و قسم الأمور على الحكمة، و على تمام مصلحة الخليقة.
٣٣٣-[مهارة الكلب في الاحتيال للصيد]
و من معرفة الكلب، أنّ المكلّب يخرجه إلى الصيد في يوم، الأرض فيه ملبسة من الجليد، و مغشّاة بالثّلج، قد تراكم عليها طبقا على طبق، حتّى طبّقها و استفاض فيها، حتّى ربّما ضربته الريح ببردها، فيعود كلّ طبق منها و كأنّه صفاة ملساء، أو صخرة خلقاء [٤] ، حتى لا يثبت عليها قدم و لا خفّ، و لا حافر و لا ظلف، إلاّ بالتثبيت الشديد، أو بالجهد و التّفريق-فيمضي الكلاّب بالكلب، و هو إنسان عاقل، و صيّاد مجرّب، و هو مع ذلك لا يدري أين جحر الأرنب من جميع بسائط الأرض، و لا موضع كناس ظبي، و لا مكو ثعلب [٥] ، و لا غير ذلك من موالج [٦] و حوش الأرض؛
[١] حقب: تعسر عليه البول.
[٢] النفز: وثب الظبي خاصة. الزمع: الخوف و الدهش.
[٣] الإيزاغ: دفع الناقة ببولها. المخاض: النوق الحوامل. الضوارب: جمع ضارب و ضاربة، و هي التي تضرب الفحل بأرجلها إذا أرادها. و كأن الجاحظ يريد قول النابغة:
(بضرب يزيل الهام عن سكناته # و طعن كإيزاغ المخاض الضوارب)
و البيت في ديوان النابغة ٤٦.
[٤] صخرة خلقاء: ملساء.
[٥] مكو الثعلب: جحره.
[٦] موالج: مداخل، ولج: دخل.