الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٣١٣ - ٣٣٢- ما يعرض للحيوان عند الفزع
للخواطر أسباب، و يتهيأ لصواب الرأي أبواب. و لتكون المعارف الحسّية و الوجدانات الغريزيّة، و تمييز الأمور بها، إلى ما يتميز عند العقول و تحصره المقاييس. و ليكون عمل الدّنيا سلّما إلى عمل الآخرة، و ليترقّى من معرفة الحواس إلى معرفة العقول، و من معرفة الرويّة من غاية إلى غاية؛ حتّى لا يرضى من العلم و العمل إلاّ بما أدّاه إلى الثّواب الدائم، و نجّاه من العقاب الأليم.
٣٣٠-[ما يحسن الكلب مما لا يحسنه الإنسان]
سنذكر طرفا ممّا أودع اللّه-عزّ و جلّ-الكلب ممّا لا تحسنه أنت أيّها الإنسان، مع احتقارك له و ظلمك إيّاه.
و كيف لا تكون تلك الحكم لطيفة، و تلك المعاني غريبة، و تلك الأحساس [١]
دقيقة، و نحن نعلم أنّ أدقّ الناس حسّا و أرقّهم ذهنا و أحضرهم فهما، و أصحّهم خاطرا و أكملهم تجربة و علما، لو رام الشيء الذي يحسنه الكلب في كثير من حالات الكلب لظهر له من عجزه و خرقه، و كلال حدّه و فساد حسّه، ما لا يعرف بدونه إنّ الأمور لم تقسم على مقدار رأيه، و لا على مبلغ عقله و تقديره، و لا على محبّته و شهوته؛ و أنّ الذي قسم ذلك لا يحتاج إلى المشاورة و المعاونة، و إلى مكانفة و مرافدة، و لا إلى تجربة و رويّة. و نحن ذاكرون من ذلك جملا إن شاء اللّه تعالى.
٣٣١-[خبرة الكلب في الصيد]
اعلم أنّ الكلب إذا عاين الظّباء، قريبة كانت أو بعيدة، عرف المعتلّ و غير المعتل و عرف العنز من التّيس. و هو إذا أبصر القطيع لم يقصد إلاّ قصد التّيس-و إن علم أنّه أشدّ حضرا، و أطول و ثبة، و أبعد شوطا-و يدع العنز و هو يرى ما فيها من نقصان حضرها و قصر قاب خطوها، و لكنّه يعلم أنّ التّيس إذا عدا شوطا أو شوطين حقب ببوله [٢] !!.
٣٣٢-[ما يعرض للحيوان عند الفزع]
و كلّ حيوان إذا اشتدّ فزعه، فإنّه يعرض له إمّا سلس البول و التقطير، و إمّا الأسر [٣] و الحقب. و كذلك المضروب بالسياط على الأكتاف، و بالعصيّ على الأستاه. و ما أكثر ما يعتريهم البول و الغائط.
[١] الأحساس: جمع حس.
[٢] حقب: تعسر عليه البول، و احتبس.
[٣] الأسر: احتباس البول.