الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٣١٢ - ٣٢٩- المعرفة و الاستدلال و التمييز
و بعض الإناث لا تزال تعرفه و تعطف عليه، و بعض الإناث تأكل ولدها، و كذلك بعض الذكورة. و بعض الأجناس يعادي كلّ ما يكسر بيضها أو يأكل أولادها. و جعل يتم بعض الحيوان من قبل أمّهاتها، و جعل يتم بعضها من قبل آبائها، و جعل بعضها لا يلتمس الولد و إن أتاه الولد، و جعل بعضها مستفرغ الهمّ في حبّ الذّرء [١] و التماس الولد؛ و جعل بعضها يزاوج و بعضها لا يزاوج ليكون للمتوكل من الناس جهة في توكّله، و للمتكسّب جهة في تكسّبه و ليحضر على بالهم أسباب البرّ و العقوق، و أسباب الحظر و التربية، و أسباب الوحشة من الأرحام الماسّة.
٣٢٨-[افتراق المعاني و اختلاف العلل]
و لمكان افتراق المعاني و اختلاف العلل، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم لبعضهم: «اعقلها و توكّل» [٢] . و قال لبلال «أنفق بلال، و لا تخش من ذي العرش إقلالا» .
فافهموا هذا التدبير، و تعلّموا هذه الحكم، و اعرفوا مداخلها و مخارجها و مفرّقها و مجموعها؛ فإنّ اللّه عزّ و جلّ لم يردّد في كتابه ذكر الاعتبار، و الحثّ على التفكير، و الترغيب في النظر و في التثبّت و التعرّف و التوقّف، إلاّ و هو يريد أن تكونوا علماء من تلك الجهة، حكماء من هذه التعبئة [٣] .
٣٢٩-[المعرفة و الاستدلال و التمييز]
و لو لا استعمال المعرفة لما كان للمعرفة معنى، كما أنّه لو لا الاستدلال بالأدلة لما كان لوضع الدلالة معنى. لو لا تمييز المضارّ من المنافع، و الرديّ من الجيّد بالعيون المجعولة لذلك، لما جعل اللّه عزّ و جلّ العيون المدركة. و الإنسان الحسّاس إذا كانت الأمور المميّزة عنده، أخذ ما يحتاج إليه و ترك ما يستغني عنه و ما يضرّ أخذه، فيأخذ ما يحبّ و يدع ما يكره، و يشكر على المحبوب و يصبر على المكروه، حتى يذكر بالمكروه كيفيّة العقاب و يذكر بالمحبوب كيفيّة الثواب، و يعرف بذلك كيفيّة التضاعيف، و يكون ما يغمّه رادعا له، و ممتحنا بالصّبر عليه، و ما يسرّه باسطا له و ممتحنا بالشكر عليه. و للعقل في خلال ذلك مجال، و للرأي تقلب، و تنشقّ
[١] الذرء: النسل.
[٢] الجامع الصغير للسيوطي ١١٩١ و فيه أنه حديث ضعيف.
[٣] التعبئة: الإعداد و التهيئة.