الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٣٠٨ - ٢١٩- كلف العامة بمآثر الجاهلية
٣١٨-[كرم حاتم و كعب بن مامة]
و العامّة تحكم أنّ حاتما أجود العرب [١] ، و لو قدّمته على هرم الجواد لما اعترضته عليهم [٢] . و لكنّ الذي يحدّث به عن حاتم، لا يبلغ مقدار ما رووه عن كعب بن مامة، لأنّ كعبا بذل نفسه في أعطية الكرم و بذل المجهود فساوى حاتما من هذه الوجه [٣] ، و باينه ببذل المهجة.
و نحن نقول: إنّ الأشعار الصحيحة بها المقدار الذي يوجب اليقين بأنّ كعبا كان كما وصفوا. فلو لم يكن الأمر في هذا إلى الجدود و الحظوظ و الاتفاقات، و إلى علل باطنة تجري الأمور عليها، و في الغوص عليها و في معرفتها بأعيانها عسر، لما جرت الأمور على هذه المجاري، و لو كان الأمر فيها مفوّضا إلى تقدير الرأي، لكان ينبغي لغالب بن صعصعة أن يكون من المشهورين بالجود، دون هرم و حاتم.
٢١٩-[كلف العامة بمآثر الجاهلية]
فإن زعمت أنّ غالبا كان إسلاميّا و كان حاتم في الجاهلية. و الناس بمآثر العرب في الجاهليّة أشدّ كلفا، فقد صدقت. و هذا أيضا ينبئك أنّ الأمور في هذا على خلاف تقدير الرأي، و إنّما تجري في الباطن على نسق قائم، و على نظر صحيح، و على تقدير محكم، فقد تقدّم في تعبيتهما [٤] و تسويتهما من لا تخفى عليه خافية، و لا يفوته شيء و لا يعجزه، و إلاّ فما بال أيّام الإسلام و رجالها. لم تكن أكبر في النفوس، و أحلّ في الصدور من رجال الجاهليّة، مع قرب العهد و عظم خطر ما ملكوا، و كثرة ما جادت به أنفسهم، و مع الإسلام الذي شملهم، و جعله اللّه تعالى أولى بهم من أرحامهم.
و لو أنّ جميع مآثر الجاهليّة وزنت به، و بما كان في الجماعات اليسيرة من رجالات قريش في الإسلام لأربت هذه عليها، أو لكانت مثلها.
[١] في الأمثال: «أجود من حاتم طيء» ، و هو في مجمع الأمثال ١/١٨٢، و المستقصى ١/٥٣، و جمهرة الأمثال ١/٣٣٦.
[٢] في الأمثال: «أجود من هرم» ، و هو في مجمع الأمثال ١/١٨٨، و المستقصى ١/٥٥، و جمهرة الأمثال ١/٣٣٨.
[٣] في الأمثال: «أجود من كعب بن مامة» ، و هو في مجمع الأمثال ١/١٨٣، و المستقصى ١/٥٤، و جمهرة الأمثال ١/٣٣٨.
[٤] التعبية: الإعداد و التهيئة، و منه تعبئة الجيش.