الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٣٠٥ - ٣١٥- سلطان الحظ
قالوا: و لسقوط الخامل من عيون الناس، قالت الأعرابيّة لابنها: إذا جلست مع الناس فإن أحسنت أن تقول كما يقولون فقل، و إلاّ فخالف تذكر! و أمّا الأصمعيّ فزعم أنّها قالت: فخالف و لو بأن تعلّق في عنقك أير حمار.
و ليس يقول هذا القول إلاّ من ليس يعرف شكر الغنى، و تقلّب الأموال إلى ما خلقت له، و قطعها عقلها، و خلعها عذرها، و تيه أصحابها، و كثرة خطاهم في حفظها و سترها، و عجزهم عن إماتة حركتها و منعها من جميع ما تنازع إليه و تحمل عليه.
٣١٣-[ملحة من الملح]
و قد روينا في الملح أنّ رجلا قال لصاحب له: أبوك الذي جهل قدره، و تعدّى طوره، فشقّ العصا، و فارق الجماعة، لا جرم لقد هزم ثم أسر ثمّ قتل ثمّ صلب!قال له صاحبه: دعني من ذكر هزيمة أبي، و من أسره و قتله و صلبه. أبوك هل حدّث نفسه بشيء من هذا قطّ؟!
٣١٤-[حكم الأسباب في همم الناس]
و ليس إلى النّاس بعد الهمم و قصرها، و إنما تجري الهمم بأهلها إلى الغايات، على قدر ما يعرض لهم من الأسباب. أ لا ترى أنّ أبعد النّاس همّة في نفسه، و أشدّهم تلفتا إلى المراتب، لا تنازعه نفسه إلى طلب الخلافة، لأن ذلك يحتاج إلى نسب، أو إلى أمر قد وطّئ له بسبب، كسبب طلب أوائل الخوارج الخلافة بالدّين وحده دون النّسب. فإن صار من الخوارج فقد حدث له سبب إمكان الطّلب، أكدى أم نجح.
و قد زعم ناس من العلماء أنّ رجالا خطبت للسّيادة و النّباهة و الطّاعة في العشيرة.
٣١٥-[سلطان الحظ]
و كذلك القبيلة ربّما سعدت بالحظّ، و ربّما حظيت بالجدّ، و إنّما ذلك على قدر الاتفاق، و إنما هو كالمعافى و المبتلى، و إنما ذلك كما قال زهير: [من الطويل]
وجدت المنايا خبط عشواء من تصب # تمته و من تخطئ يعمّر فيهرم [١]
و كما تحظى بعض الأشعار و بعض الأمثال، و بعض الألفاظ دون غيرها، و دون ما يجري مجراها أو يكون أرفع منها.
قالوا: و ذلك موجود في المرزوق و المحروم، و في المحارف [٢] و الذي تجوز
[١] ديوان زهير ٣٤، و اللسان (خبط، عشا) ، و التاج (خبط) ، و المقاييس ٤/٣٢٣، و العين ٢/١٨٨، و أساس البلاغة (عشو) ، و تهذيب اللغة ٣/٥٤، ٧/٢٥١.
[٢] المحارف: المحدود المحروم.