الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٣٠٤ - ٣١٢- طبقات الخمول
يكن أحد أشقى منه. هذا مع سرور العالم بما وهب اللّه له من السلامة من آفة الشّره، و من فساد الأخلاط.
و بعد فلا يخلو صاحب الثّروة و الصامت الكثير [١] ، الخامل الذكر من أن يكون ممّن يرغب في المركب الفاره، و الثوب اللين، و الجارية الحسنة، و الدار الجيّدة، و المطعم الطيّب، أو يكون ممن لا يرغب في شيء من ذلك. فإن كان لا يرغب في هذا النوع كلّه، و لا يعمل في ماله للدّار الآخرة. و لا يعجب بالأحدوثة الحسنة، و يكون ممن لا تعدو لذّته أن يكون كثير الصامت، فإنّ هذا حمار أو أفسد طبعا من الحمار، و أجهل من الحمار، و قد رضي أن يكون في ماله أسوأ حالا من الوكيل.
و بعد فلا بدّ للمال الكثير من الحراسة الشّديدة، و من الخوف عليه، فإن أعمل الحراسة له، و تعب في حفظه و حسب الخوف، خرج عليه فضل. فإن هو لم يخف عليه-و لا يكون ذلك في سبيل التوكّل-فهو في طباع الحمار و في جهله. و الذي أوجب له الخمول ليؤدّيه إلى سلامة المال له، قد أعطاه من الجهل ما لا يكون معه إلاّ مثل مقدار لذة البهيمة في أكل الخبط [٢] .
و إن هو ابتاع فرّه الدواب، و فرّه الخدم و الجواري، و اتخذ الدار الجيّدة، و الطعام الطيّب و الثّوب الليّن و أشباه ذلك، فقد دلّ على ماله. و من كان كذلك ثمّ ظهرت له ضيعة فاشية، أو تجارة مربحة، يحتمل مثل ذلك الذي يظهر من نفقته. و إلا فإنّه سيوجد في اللّصوص عند أوّل من يقطع عليه، أو مكابرة تكون، أو تعب يؤخذ لأهله المال العظيم.
و لو عنى بقوله الخمول و صحة البدن و المال، فذهب إلى مقدار من المال مقبولا و لكن ما لمن كان ماله لا يجاوز هذا المقدار يتهيّأ الخمول.
٣١٢-[طبقات الخمول]
و لعمري إنّ الخمول ليكون في طبقات كثيرة، قال أبو نخيلة: [من الطويل]
شكرتك إنّ الشّكر حبل من التّقى # و ما كلّ من أقرضته نعمة يقضي [٣]
فأحييت من ذكري و ما كان خاملا # و لكنّ بعض الذكر أنبه من بعض
[١] الصامت من المال: الذهب و الفضة، و الناطق من المال: الإبل.
[٢] الخبط: ورق الشجر؛ يخبط بالعصا فتأكله الدواب.
[٣] البيتان لأبي نخيلة في الأغاني ٢٠/٣٩٢، و طبقات ابن المعتز ٦٤، و عيون الأخبار ٣/١٦٥، و الفاضل ٩٩، و أمالي القالي ١/٣٠، و نهاية الأرب ٣/٢٤٩.