الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٣٠٣ - ٣١١- أسباب السعادة
موجودة غير عاملة لكانت المعرفة كعدمها، و في القول و العمل ما أوجب النّباهة، و أدنى حالاته أن تخرجه من حدّ الخمول، و متى أخرجته من حدّ الخمول فقد صار معرّضا لمن يقدر على سلبه.
و كما أنّ المعرفة لا بدّ لها من عمل، و لا بدّ للعمل من أن يكون قولا أو فعلا، و القول لا يكون قولا إلاّ و هناك مقول له، و الفعل لا يكون فعلا إلاّ و هناك مفعول له، و في ذلك ما أخرج من الخمول و عرف به الفاعل.
و إذا كانت المعرفة هذا عملها في التنبيه على نفسها، فالمال الكثير أحقّ بأنّ عمله الدّلالة على مكانه، و السّعاية على أهله. و المال أحقّ بالنميمة، و أولى بالشكر، و أخدع لصاحبه، بل يكون له أشدّ قهرا، و لحيّه أشدّ فسادا.
و إن كانت معرفته ناقصة فبقدر نقصانها يجهل مواضع اللذة. و إن كانت تامّة فبقدر تمامها ينفى الخمول و يجلب الذّكر.
و بعد فليس يفهم فضيلة السلامة. و حقائق رشد العافية، الذين ليس لهم من المعرفة إلاّ الشّدو [١] ، و إلاّ خلاق [٢] أوساط الناس. و متى كان ذلك كذلك، لم يعرف المدخل الذي من أجله يكره ذو المال الشّهرة. و من عرف ذلك على حقّه و صدقه، لم يدعه فهمه لذلك حتّى يدلّ على فهمه. و على أنّه لا يفهم هذا الموضع حتّى يفهم كلّ ما كان في طبقته من العلم. و في أقلّ من ذلك ما يبين به حاله من حال الخامل.
و شروط الأمانيّ غير شروط جواز الأفعال و إمكان الأمور. و ليس شيء ألذّ و لا أسرّ من عزّ الأمر و النهي، و من الظّفر بالأعداء، و من عقد المنن في أعناق الرجال، و السّرور بالرّياسة و بثمرة السيادة، لأنّ هذه الأمور هي نصيب الرّوح، و حظّ الذهن، و قسم النّفس [٣] . فأمّا المطعم و المشرب و المنكح و المشمّة، و كلّ ما كان من نصيب الحواسّ، فقد علمنا أن كلّ ما كان أشدّ نهما و أرغب، كان أتمّ لوجدانه الطعم. و ذلك قياس على مواقع الطّعم من الجائع، و الشراب من العطشان.
و لكنّا إذا ميّلنا بين الفضيلة التي مع السّرور، و بين لذّة الطعام، و ما يحدث الشّره له من ألم السهر و الالتهاب و القلق و شدّة الكلب، رأينا أنّ صاحبه مفضول غير فاضل. هذا مع ما يسبّ به، و مع حمله له على القبيح، و على أنّ نعمته متى زالت لم
[١] الشدو: القليل من كل شيء.
[٢] الخلاق: النصيب.
[٣] القسم: الحصة و النصيب.