الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٣٠٢ - ٣١١- أسباب السعادة
و قال آخر في شبيه بهذا المعنى: [من الطويل]
و دون النّدى في كلّ قلب ثنيّة # لها مصعد حزن و منحدر سهل [١]
و ودّ الفتى في كلّ نيل ينيله # إذا ما انقضى، لو أنّ نائله جزل
و قال عامر بن الطّفيل: [من الطويل]
و إنّي و إن كنت ابن سيّد عامر # و فارسها المشهور في كلّ موكب [٢]
فما سوّدتني عامر من وراثة # أبى اللّه أن أسمو بأمّ و لا أب
و لكنّني أحمي حماها و أتّقي # أذاها و أرمي من رماها بمنكب
و قال زياد بن ظبيان لابنه عبيد اللّه بن زياد و زياد يغرغر بنفسه [٣] : أ لا أوصي بك الأمير؟قال: لا. قال: و لم؟قال: إذا لم يكن للحي إلاّ وصيّة الميّت، فالحيّ هو الميّت [٤] .
و قال آخر في هذا المعنى: [من الكامل]
و العزّ لا يأتي بغير تطلّب
و قال بشامة بن الغدير في خلاف ذلك، و أن يثبت أن يكون منه كان: [من الطويل]
وجدت أبي فيهم و جدّي كليهما # يطاع و يؤتى أمره و هو محتبي [٥]
فلم أتعمّل للسّيادة فيهم # و لكن أتتني طائعا غير متعب
٣١١-[أسباب السعادة]
و من الناس من يقول: إن العيش كلّه في كثرة المال، و صحة البدن، و خمول الذكر.
و قال من يخالفه: لا يخلو صاحب البدن الصّحيح و المال الكثير، من أن يكون بالأمور عالما، أو يكون بها جاهلا. فإن كان بها عالما فعلمه بها لا يتركه حتّى يكون له من القول و العمل على حسب علمه، لأنّ المعرفة لا تكون كعدمها، لأنّها لو كانت
[١] البيتان للخريمي في ديوانه ٥٠، و البخلاء ١٦٧، و البيان و التبيين ٢/٣٥٢، و بلا نسبة في البيان و التبيين ١/٢٧٤.
[٢] ديوان عامر بن الطفيل ٢٨، و الحماسة البصرية ١/٧٢، و عيون الأخبار ١/٢٢٧، و أمالي القالي ٣/١١٨، و أمالي المرتضى ١/١٠، و العقد الفريد ٢/٢٥٩، و المقاصد النحوية ١/٢٤٣.
[٣] الغرغرة: تردد الروح في الحلق. و غرر: جاد بنفسه عند الموت.
[٤] الخبر في عيون الأخبار ١/٢٣٥، و أمالي المرتضى ١/٢٠٠.
[٥] البيتان لبشامة في الحماسة البصرية ١/٧٢، و أساس البلاغة (عمل) .