الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٣٠٠ - ٣٠٩- هجاء السفهاء للأشراف
و إذا كان الرجل أبرع الناس براعة، و أظهرهم فضلا، و أجمعهم لخصال الشرف، ثمّ كانت كلّ خصلة مساوية لأختها في التّمام، و لم تغلب عليه خصلة واحدة، فإنّ هذا الرّجل لا يكاد يوصف إلاّ بالسيادة و الرئاسة خاصّة إذا لم يكن له مسند عما يكون هو الغالب عليه.
و قالوا فيما يشبه ما ذكرنا، و إن لم يكن هو بعينه، قال الشاعر: [من البسيط]
هينون لينون أيسار ذوو يسر # سوّاس مكرمة أبناء أيسار [١]
من تلق منهم تقل لاقيت سيّدهم # مثل النّجوم التي يسري بها الساري
و قد قال مثل الذي وصفنا جعفر الضبّيّ في الفضل بن سهل: أيّها الأمير أسكتني عن وصفك تساوي أفعالك في السّؤدد، و حيّرني فيها كثرة عددها، فليس إلى ذكر جميعها سبيل، و إن أردت وصف واحدة اعترضت أختها، إذ لم تكن الأولى أحقّ بالذكر. و لست أصفها إلاّ بإظهار العجز عن وصفها.
و لذلك قالوا: «أحلم من الأحنف» [٢] ، و «ما هو إلاّ في حلم معاوية» و «أحلم من قيس بن عاصم» [٣] ، و لم يقولوا: أحلم من عبد المطّلب، و لا هو أحلم من هاشم، لأنّ الحلم خصلة من خصاله كتمام حلمه، فلمّا كانت خصاله متساوية، و خلاله مشرفة متوازية، و كلّها كان غالبا ظاهرا، و قاهرا غامرا، سمّي بأجمع الأشياء و لم يسمّ بالخصلة الواحدة، فيستدلّ بذلك على أنّها كانت أغلب خصال الخير عليه.
٣٠٩-[هجاء السفهاء للأشراف]
و إذا بلغ السّيد في السّؤدد الكمال، حسده من الأشراف من يظنّ أنّه الأحقّ به، و فخرت به عشيرته، فلا يزال سفيه من شعراء تلك القبائل قد غاظه ارتفاعه على مرتبة سيّد عشيرته فهجاه. و من طلب عيبا وجده. فإن لم يجد عيبا وجد بعض ما إذا ذكره، وجد من يغلط فيه و يحمله عنه. و لذلك هجي حصن بن حذيفة، و هجي زرارة ابن عدس، و هجي عبد اللّه بن جدعان، و هجي حاجب بن زرارة.
[١] البيتان للعرندس الكلابي في معجم الشعراء ١٧٣، و الحماسة المغربية ٢٩٩-٣٠٠، و أمالي القالي ١/٢٣٩، و شرح ديوان الحماسة للمرزوقي ١٥٩٣، و لعبيد بن العرندس الكلابي في السمط ٥٤٦، و الكامل ١/٤٧، و بلا نسبة في عيون الأخبار ١/٢٢٦، و البرصان و العرجان ٢٣٦، و ديوان المعاني ١/٢٣، ٤١، و الحماسة الشجرية ١/٣٥٩. و هما من قصيدة واحدة مع البيتين المتقدمين في الفقرة السابقة.
[٢] المستقصى ١/٧٠، و مجمع الأمثال ١/٢١٩، و جمهرة الأمثال ١/٣٤٣، و الفاخر ٢٩٨.
[٣] وجدت في الأمثال قولهم أغدر من قيس بن عاصم، في مجمع الأمثال ٢/٦٥، و المستقصى ١/٢٥٩، و قولهم: «أكذب من قيس بن عاصم» ، في مجمع الأمثال ٢/١٦٩، و المستقصى ١/٢٣٩.