الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٢٩٧ - ٣٠٥- مما يدل على قدر الكلب
و مثل هذا الكلام لا يقال لمن يوصف بالعفّة الثابتة.
٣٠٤-[وصية شريح لمعلم ولده]
و لبغض المزاح في لعب الصبيان بالكلاب و استهتارهم بها. كتب شريح إلى معلّم ولد له كان يدع الكتّاب و يلعب بالكلاب: [من الكامل]
ترك الصّلاة لأكلب يلهو بها # طلب الهراش مع الغواة الرّجس [١]
و ليأتينّك غاديا بصحيفة # يغدو بها كصحيفة المتلمّس [٢]
فإذا خلوت فعضّه بملامة # أو عظه موعظة الأديب الأكيس
و إذا هممت بضربه فبدرّة # و إذا ضربت بها ثلاثا فاحبس
و اعلم بأنّك ما فعلت فإنّه # مع ما يجرّعني أعز الأنفس
و هذا الشعر عندنا لأعشى بني سليم في ابن له. و قد رأيت ابنه هذا شيخا كبيرا. و هو يقول الشعر؛ و له أحاديث كثيرة ظريفة.
٣٠٥-[مما يدل على قدر الكلب]
و قال صاحب الكلب: و مما يدلّ على قدر الكلب كثرة ما يجري على ألسنة النّاس من مدحه بالخير و الشرّ، و بالحمد و بالذمّ، حتّى ذكر في القرآن مرّة بالحمد و مرّة بالذّم. و بمثل ذلك ذكر في الحديث، و كذلك في الأشعار و الأمثال، حتى استعمل في الاشتقاقات، و جرى في طريق الفأل و الطّيرة، و في ذكر الرؤيا و الأحلام، و مع الجن و الحنّ و السّباع و البهائم. فإن كنتم قضيتم عليه بالشر و بالنقص، و باللؤم و بالسقوط لأنّ ذلك كلّه قد قيل فيه، فالذي قيل فيه من الخير أكثر، و من الخصال المحمودة أشهر.
و ليس شيء أجمع لخصال النقص من الخمول، لأنّ تلك الخصال المخالفة لذلك، تعطي من النّباهة و تقيم من الذكر على قدر المذكور من ذلك. و كما لا تكون الخصال التي تورث الخمول مورثة للنباهة، فكذلك خصال النّباهة في مجانبة الخمول، لأنّ الملوم أفضل من الخامل.
[١] الأبيات لشريح في عيون الأخبار ٢/١٦٧، و ثمار القلوب ١٧٣ (٣٥٣) ، و العقد الفريد ٢/٣٤٥-٤٣٦، و أخبار القضاة ٢/٢٠٧، و المحاسن و المساوئ ٢/٤٠٨، و العمدة ١/٣٩، و ربيع الأبرار ٤/٤٦٣، و هي لأعشى طرود في الحماسة البصرية ٢/٣٧٥-٣٧٦.
[٢] صحيفة المتلمس: تضرب مثلا لمن يحمل كتابا فيه حتفه. و المثل و قصته في مجمع الأمثال ١/٣٩٩، و الفاخر ٧٣، و جمهرة الأمثال ١/٥٧٩، و ثمار القلوب (٣٥٢) ، و أسماء المغتالين ٢/٢١٢، و المعارف ٦٤٩، و السمط ٣٠١، و عقلاء المجانين ٣٤.