الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٤٢٤ - ٤٩٩- ما يلقم فراخه و ما يزقها
ثم عاد أيضا في ذكر الدّيك فقال:
و لا غرو إلاّ الدّيك مدمن خمرة # نديم غراب لا يملّ الحوانيا [١]
و مرهنه عن الغراب حبيبه # فأوفيت مرهونا و خلفا مسابيا [٢]
أدلّ عليه الدّيك: إنّي كما ترى # فأقبل على شأني و هاك ردائيا
أمنتك لا تلبث من الدّهر ساعة # و لا نصفها حتّى تئوب مآبيا
و لا تدركنك الشّمس عند طلوعها # فأعلق فيهم أو يطول ثوائيا
فردّ الغراب و الرداء يحوزه # إلى الدّيك وعدا كاذبا و أمانيا
بأيّة ذنب أو بأيّة حجّة # أدعك فلا تدعو عليّ و لا ليا
فإنّي نذرت حجّة لن أعوقها # فلا تدعونّي مرّة من ورائيا
تطيّرت منها و الدّعاء يعوقني # و أزمعت حجّا أن أطير أماميا
فلا تيأسن إنّي مع الصّبح باكر # أوافي غدا نحو الحجيج الغواديا
لحبّ امرئ فاكهته قبل حجّتي # و آثرت عمدا شأنه قبل شانيا [٣]
هنالك ظنّ الدّيك إذ زال زوله # و طال عليه اللّيل ألاّ مفاديا [٤]
فلما أضاء الصّبح طرّب صرخة # ألا يا غراب هل سمعت ندائيا
على ودّه لو كان ثمّ مجيبه # و كان له ندمان صدق مواتيا
و أمسى الغراب يضرب الأرض كلّها # عتيقا و أضحى الدّيك في القدّ عانيا [٥]
فذلك ممّا أسهب الخمر لبّه # و نادم ندمانا من الطّير عاديا [٦]
٤٩٩-[ما يلقم فراخه و ما يزقها]
قال: و من الطّير ما يلقم فراخه مثل العصفور، لأن العصفور لا يزقّ. و كذلك أشباه العصفور.
و من الطير ما يزقّ فراخه، مثل الحمام و ما أشبه ذلك كبهائم الطير الخالصة.
لأنّ الدّجاجة تأكل اللّحم، و تلغ في الدم، و ولدها حين يخرج من البيض يخرج كاسبا
[١] الحواني: الحانات، مفردها الحانية، و هي مثل الحانوت.
[٢] في ديوانه (و خان مسابيا) ، و قال محقق الديوان عن رواية الحيوان: إنها غامضة.
[٣] فاكهته: مازحته.
[٤] الزول: الحركة، و زال زوله: أصبح ساكنا هادئا من الحزن و الهم. ظن، هنا: بمعنى علم و استيقن.
[٥] العتيق: الطليق. القدّ: العاني: الأسير.
[٦] أسهب لبه: ذهب بعقله. الندمان: النديم. العادي: المعتدي.