الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٣١٥ - ٣٣٤- الانتباه الغريزي في الكلب
فيتخرّق [١] الكلب بين يديه و خلفه، و عن يمينه و شماله و يتشمّم و يتبصّر، فلا يزال كذلك حتّى يقف على أفواه تلك الجحرة، و حتى يثير الذي فيها بتنفيس الذي فيها، و ذلك أن أنفاسها و بخار أجوافها و أبدانها، و ما يخرج من الحرارة المستكنّة في عمق الأرض-ممّا يذيب ما لاقاها من فم الجحر، من الثّلج الجامد، حتى يرقّ و يكاد أن يثقبه و ذلك خفيّ غامض، لا يقع عليه قانص [٢] و لا راع، و لا قائف [٣] و لا فلاّح، و ليس يقع عليه إلاّ الكلب الصائد الماهر.
و على أنّ للكلب في تتبّع الدّرّاج [٤] و الإصعاد خلف الأرانب في الجبل الشاهق، من الرّفق و حسن الاهتداء و التأتّي ما يخفى مكانه على البيازرة [٥] و الكلاّبين.
٣٣٤-[الانتباه الغريزي في الكلب]
و قد خبّرني صديق لي أنّه حبس كلبا له في بيت و أغلق دونه الباب في الوقت الذي كان طبّاخه يرجع فيه من السوق و معه اللحم، ثمّ أحدّ سكّينا بسكين، فنبح الكلب و قلق، و رام فتح الباب؛ لتوهّمه أنّ الطّبّاخ قد رجع من السوق بالوظيفة [٦] ، و هو يحد السّكّين ليقطع اللّحم!!.
قال: فلما كان العشيّ صنعنا به مثل ذلك، لنتعرّف حاله في معرفة الوقت، فلم يتحرّك!!.
قال: و صنعت ذلك بكلب لي آخر فلم يقلق إلاّ قلقا يسيرا، فلم يلبث أن رجع الطّباخ فصنع بالسّكّين مثل صنيعي، فقلق حتّى رام فتح الباب!!.
قال فقلت: و اللّه لئن كان عرف الوقت بالرّصد [٧] فتحرّك له، فلما لم يشمّ ريح اللحم عرف أنّه ليس بشيء، ثمّ لما سمع صوت السّكّين و الوقت بعد لم يذهب، و قد جيء باللحم فشمّ ريح اللّحم من المطبخ و هو في البيت، أو عرف فصل ما بين إحدادي السّكّين و إحداد الطباخ، إنّ هذا أيضا لعجب.
[١] يتخرق: يشتد عدوه.
[٢] القانص: الصائد.
[٣] القائف: من يعرف الآثار.
[٤] الدارج: طائر أسود باطن الجناحين و ظاهرهما؛ أغبر على خلقة القطا؛ إلا أنه ألطف. حياة الحيوان ١/٤٧٧.
[٥] البيازرة: جمع بيزار، و هو الذي يصيد بالبازي.
[٦] الوظيفة: ما يقدّر لك في اليوم من طعام أو رزق و نحوه.
[٧] الرصد: الارتقاب.