الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٣١١ - ٣٢٧- اختلاف طباع الحيوان
يقوته و هو أعمى لا يبصر، و أصمّ لا يسمع، و بليد لا يتصرّف، و أبله لا يعرف!. و مع ذلك أنّه لا يجوز باب جحره، و لا يتكلّف سوى ما يجلب إليه رازقه و رازق غيره.
و أيّ شيء أعجب من طائر ليس له رزق إلاّ أن يخلّل أسنان التّمساح، و يكون ذلك له.
٣٢٦-[الطائران العجيبان]
و أيّ شيء أعجب من طائرين، يراهما الناس من أدنى جدود البحر [١] من شقّ البصرة، إلى غاية البحر من شقّ السّند، أحدهما كبير الجثّة يرتفع في الهواء صعدا، و الآخر صغير الجثّة يتقلّب عليه و يعبث به، فلا يزال مرّة يرفرف حوله و يرتقي على رأسه، و مرّة يطير عند ذناباه، و يدخل تحت جناحه و يخرج من بين رجليه، فلا يزال يغمّه و يكربه حتّى يتّقيه بذرقه، فإذا ذرق شحا له فاه فلا يخطئ أقصى حلقه حتّى كأنّه دحا به في بئر، و حتّى كأنّ ذرقه مدحاة بيد أسوار [٢] ، فلا الطائر الصغير يخطئ في التلقّي، و في معرفته أنّه لا رزق له إلاّ الذي في ذلك المكان؛ و لا الكبير يخطئ التّسديد [٣] ، و يعلم أنّه لا ينجيه منه إلا أن يتّقيه بذرقه، فإذا أوعى ذلك الذّرق [٤] ، و استوفى ذلك الرّزق، رجع شبعان ريّان بقوت يومه، و مضى الطائر الكبير لطيّته.
و أمرهما مشهور و شأنهما ظاهر، لا يمكن دفعه و لا تهمة المخبرين عنه.
٣٢٧-[اختلاف طباع الحيوان]
فجعل تعالى و عزّ بعض الوحوش كسوبا محتالا، و بعض الوحوش متوكّلا غير محتال، و بعض الحشرات يدّخر لنفسه رزق سنته؛ و بعضا يتّكل على الثّقة بأنّ له كلّ يوم قدر كفايته، رزقا معدّا و أمرا مقطوعا. و جعل بعض الهمج يدّخر، و بعضه يتكسّب، و بعض الذكورة يعول ولده، و بعض الذكورة لا يعرف ولده، و بعض الإناث تخرّج [٥] ولدها، و بعض الإناث تضيّع ولدها و تكفل ولد غيرها، و بعض الأجناس معطوفة على كل ولد من جنسها، و بعض الإناث لا تعرف ولدها بعد استغنائه عنها،
[١] الجدود: جمع جد، و هو الشاطئ، و منه سميت مدينة «جدة» لوقوعها على شاطئ البحر، و الخبر في ثمار القلوب (٨١٧) ، و ربيع الأبرار ٥/٤٥٦.
[٢] المدحاة: آلة الرمي. و الدّحو: هو رمي اللاعب بالحجر و غيره. الأسوار: الجيّد الرمي بالسهام.
[٣] التسديد: إصابة الهدف.
[٤] الذرق: نجو الطائر. أوعى: استوعب.
[٥] تخرج: تؤدب و تربي.