الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٣٠١ - ٣١٠- صعوبة سياسة العوام
و إنّما ذكرت لك هؤلاء لأنهم من سؤددهم و طاعة القبيلة لهم، لم يذهبوا فيمن تحت أيديهم من قومهم، و من حلفائهم و جيرانهم، مذهب كليب بن ربيعة، و لا مذهب حذيفة بن بدر، و لا مذهب عيينة بن حصن، و لا مذهب لقيط بن زرارة، و لأنّ لقيطا لم يأمر بسحب ضمرة بن ضمرة إلاّ و هو لو بقي لجاوز ظلم كليب و تهكم عيينة، فإنّ هؤلاء و إن كانوا سادة فقد كانوا يظلمون، و كانوا بين أن يظلموا و بين أن يحتملوا ظلما ممن ظلمهم. و لا بدّ من الاحتمال كما لا بدّ من الانتصار.
و قد قال عزّ و جلّ: وَ لَكُمْ فِي اَلْقِصََاصِ حَيََاةٌ [١] . و إلى هذا المعنى رجع قول الحكيم الأوّل: «بعض القتل إحياء للجميع» [٢] .
و عامّة هؤلاء السّادة لم يكن شأنهم أن يردّوا الناس إلى أهوائهم، و إلى الانسياق لهم بعنف السّوق، و بالحرب في القود، بل كانوا لا يؤثرون التّرهيب على الترغيب.
و الخشونة على التليين. و هم مع ذلك قد هجوا بأقبح الهجاء.
و متى أحبّ السّيّد الجامع، و الرئيس الكامل قومه أشدّ الحبّ و حاطهم على حسب حبه لهم، كان بغض أعدائهم له على حسب حبّ قومه له. هذا إذا لم يتوثّب إليه و لم يعترض عليه من بني عمّه و إخوته من قد أطمعته الحال باللّحاق به. و حسد الأقارب أشدّ، و عداوتهم على حسب حسدهم.
و قد قال الأوّلون: رضا الناس شيء لا ينال.
و قد قيل لبعض العرب: من السّيّد فيكم؟قال الذي إذا أقبل هبناه، و إذا أدبر اغتبناه! و قد قال الأوّل: بغضاء السّوق [٣] موصولة بالملوك و السادة، و تجري في الحاشية مجرى الملوك.
٣١٠-[صعوبة سياسة العوام]
و ليس في الأرض عمل أكدّ لأهله من سياسة العوامّ. و قد قال الهذليّ يصف صعوبة السياسة: [من الوافر]
و إن سياسة الأقوام فاعلم # لها صعداء مطلبها طويل [٤]
[١] . ١٧٩/البقرة: ٢.
[٢] مجمع الأمثال ١/١٠٥.
[٣] السوق: جمع سوقة، و هي الرعية.
[٤] البيت للأعلم الهذلي في شرح أشعار الهذليين ٣٢٣، و للهذلي في البيان و التبيين ١/٢٧٥، ٢/٣٥٢، ٣/٢١٨، و عيون الأخبار ١/٢٢٦، و أساس البلاغة (صعد) ، و بلا نسبة في اللسان و التاج (صعد) .