الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٢٨٢ - ٢٨٦- ما يأباه بعض الحيوان من الطعام
قال: فالحيّة تعرف هذا من الخنزير، فهي تطالبه.
قال: و الغراب مصادق للثّعلب، و الثعلب مصادق للحيّة، و الأسد و النمر مختلفان.
قال: و بين الفيلة اختلاف شديد، و كذلك ذكورها و إناثها، و هي تستعمل الأنياب إذا قاتل بعضها بعضا، و تعتمد بها على الحيطان فتهدمها، و تزحم النّخلة بجنبها فتصرعها.
و إذا صعب من ذكورتها شيء احتالوا له حتّى يكومه [١] ذكر آخر، فإذا كامه خضع أبدا. و إذا اشتدّ خلقه و صعب عصبوا رجليه فسكن.
و يقال إنّ البعير إذا صعب و خافه القوم، استعانوا عليه فأبر كوه و عقلوه حتّى يكومه فحل آخر، فإذا فعل ذلك به ذلّ! و أمّا أصحابنا فحكوا وجوه العداوة الّتي بين الفيل و السّنّور-و هذا أعجب- و ذهبوا إلى فزع الفيل من السّنّور، و لم يروه يفزع ممّا هو أشدّ و أضخم. و هذا الباب على خلاف الأوّل، كأنّ أكثر ذلك الباب بني على عداوة الأكفاء.
و الشاة من الذئب أشدّ فرقا منها من الأسد، و إن كانت تعلم أنّ الأسد يأكلها.
و كذلك الحمام يعتريه من الشّاهين ما لا يعتريه من العقاب و البازي و الصقر.
و كذلك الفأرة من السّنّور [٢] ، و قد يأكلها ابن عرس. و أكثر ذلك أن يقتلها و لا يأكلها. و هي من السّنّور أشدّ فرقا.
و الدّجاجة تأكلها أصناف من السباع، و الثعلب يطالبها مطالبة شديدة، و لو أنّ دجاجا على رفّ مرتفع، أو كنّ على أغصان شجرة شاهقة، ثمّ مرّ تحتها كلّ صنف ممّا يأكلها، فإنّها تكون مستمسكة بها معتصمة بالأغصان التي هي عليها. فإذا مرّ تحتها ابن آوى و هنّ ألف، لم تبق واحدة منهنّ إلاّ رمت بنفسها إليه.
٢٨٦-[ما يأباه بعض الحيوان من الطعام]
و السبع لا يأكل الحارّ، و السّنّور لا يذوق الحموضة، و يجزع من الطّعام الحارّ.
و اللّه تعالى أعلم.
[١] كام الفرس أنثاه يكومها: إذا نزا عليها.
[٢] ربيع الأبرار ٥/٤٣٥.