الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٢٦٦ - ٢٧٦- كرم الكلاب
اَلْأَرْضِ وَ اِتَّبَعَ هَوََاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ اَلْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذََلِكَ مَثَلُ اَلْقَوْمِ اَلَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيََاتِنََا [١] فزعموا أنّ هذا المثل لا يجوز أن يضرب لهذا المذكور في صدر هذا الكلام، لأنه قال: وَ اُتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ اَلَّذِي آتَيْنََاهُ آيََاتِنََا فَانْسَلَخَ مِنْهََا [٢] . فما يشبّه حال من أعطي شيئا فلم يقبله-و لم يذكر غير ذلك-بالكلب الذي إن حملت عليه نبح و ولى ذاهبا، و إن تركته شدّ عليك و نبح، مع أنّ قوله:
يلهث، لم يقع في موضعه، و إنما يلهث الكلب من عطش شديد و حرّ شديد، و من تعب، و أما النّباح و الصّياح فمن شيء آخر.
قلنا له: إن قال ذََلِكَ مَثَلُ اَلْقَوْمِ اَلَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيََاتِنََا [٣] ، فقد يستقيم أن يكون الرادّ لا يسمّى مكذبا، و لا يقال لهم كذّبوا إلا و قد كان ذلك منهم مرارا، فإن لم يكن ذلك فليس ببعيد أن يشبّه الذي أوتي الآيات و الأعاجيب و البرهانات و الكرامات، في بدء حرصه عليها و طلبه لها، بالكلب في حرصه و طلبه، فإنّ الكلب يعطي الجدّ و الجهد من نفسه في كلّ حالة من الحالات، و شبّه رفضه و قذفه لها من يديه، و ردّه لها بعد الحرص عليها و فرط الرغبة فيها، بالكلب إذا رجع ينبح بعد إطرادك له. و واجب أن يكون رفض قبول الأشياء الخطيرة النفيسة في وزن طلبهم و الحرص عليها.
و الكلب إذا أتعب نفسه في شدّة النّباح مقبلا إليك و مدبرا عنك، لهث و اعتراه ما يعتريه عند التّعب و العطش.
و على أنّنا ما نرمي بأبصارنا إلى كلابنا و هي رابضة وادعة، إلا و هي تلهث، من غير أن تكون هناك إلا حرارة أجوافها، و الذي طبعت عليه من شأنها، إلا أنّ لهث الكلب يختلف بالشدّة و اللّين!
٢٧٦-[كرم الكلاب]
و قال صاحب الكلب: ليس الدّيك من الكلب في شيء، فمن الكلاب ذوات الأسماء المعروفة و الألقاب المشهورة. و لكرامها و جوارحها و كواسبها، و أحرارها و عتاقها، أنساب قائمة و دواوين مخلّدة، و أعراق محفوظة، و مواليد محصاة، مثل كلب جذعان، و هو السّلهب بن البراق بن يحيى بن وثّاب بن مظفّر بن محارش.
[١] . ١٧٥-١٧٦/الأعراف: ٧.
[٢] . ١٧٥/الأعراف: ٧.
[٣] . ١٧٦/الأعراف: ٧.