الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٧٥ - 74- شدة نهم الإناث
و عامّة اكتساب الرجال و إنفاقهم، و همّهم و تصنّعهم، و تحسينهم لما يملكون، إنّما هو مصروف إلى النساء و الأسباب المتعلقة بالنساء، و لو لم يكن إلاّ التنمّص و التطيّب و التطوّس و التّعرّس [١] و التخضّب، و الذي يعدّ لها من الطيب و الصّبغ، و الحلي، و الكساء، و الفرش، و الآنية، لكان في ذلك ما كفى. و لو لم يكن له إلاّ الاهتمام بحفظها و حراستها، و خوف العار من جنايتها و الجناية عليها، لكان في ذلك المئونة العظيمة، و المشقة الشديدة.
٧٣-[سبب شره الخصي]
فإذا بطل العضو الذي من أجله يكون اشتغال النفس بالأصناف الكثيرة، من اللذّة و الألم، فباضطرار أن تعلم أنّ تلك القوى لم تبطل من التركيب، و لم تعدمها الخلقة، و إنّما سدّ دونها بسدّ، و أدخل عليها حجاب، فلا بدّ لها إذا كانت موجودة من عمل، لأنّ عمل كلّ جوهر لا يعدم إلاّ بعدم ذاته، فإذا صرفت من وجه فاضت من وجه. و لا سيما إذا جمّت و نازعت، و لا بدّ إذا زخرت و غزرت، و طغت و طمت، من أن تفيض أو تفتح لنفسها بابا، و ليس بعد المنكح باب له موقع كموقع المطعم، فاجتمعت تلك القوى التي كانت للمنكح و ما يشتمل عليه باب المنكح، إلى القوّة التي عنده للمطعم، فإذا اجتمعت القوّتان في باب واحد كان أبلغ في حكمه، و أبعد غاية في سبيله، و لذلك صار الخصيّ آكل من أخيه لأمّه و أبيه، و على قدر الاستمراء يكون هضمه، و على قدر حاجة طبعه و حركة نفسه و الحرارة المتولّدة عن الحركة يكون الاستمراء، لأن الشهوة من أمتن أبواب الاستمراء، و الحركة من أعظم أبواب الحرارة.
٧٤-[شدة نهم الإناث]
و دوام الأكل في الإناث أعمّ منه في الذكور، و كذلك الحجر دون الفرس، و كذلك الرّمكة دون البرذون، و كذلك النعجة دون الكبش، و كذلك النساء في البيوت دون الرجال. و ما أشكّ أنّ الرجل يأكل في المجلس الواحد ما لا تأكل المرأة، و لكنّها تستوفي ذلك المقدار و تربي عليه مقطّعا غير منظوم، و هي بدوام ذلك منها، يكون حاصل طعامها أكثر. و هنّ يناسبن الصبيان في هذا الوجه، لأنّ طبع الصبيّ سريع الهضم، سريع الكلب، قصير مدّة الأكل، قليل مقدار الطّعم، فللمرأة كثرة معاودتها، ثمّ تبين بكثرة مقدار المأكول. فيصير للخصيّ نصيبان: نصيبه من شبه
[١] التنمص: نتف الشعر. التطوس: التزين. التعرس: التودد.