الحيوان - الجاحظ - الصفحة ١٧٢ - 201- شعر في الهجاء
أحبّ إلينا أن نجاور أهله # و يصبح منّا و هو مرأى و مسمع
من الجوسق الملعون بالرّيّ لا يني # على رأسه داعي المنيّة يلمع
يقولون لي صبرا فقلت: لطالما # صبرت و لكن لا أرى الصّبر ينفع
فليت عطائي كان قسّم بينهم # و كان لي الصّمّان و الحزن أجمع
و كان لهم أجري هنيئا و أصبحت # بي البازل الكوماء بالرمل تضبع
أ أجعل نفسي عدل علج كأنّما # يموت به كلب إذا مات أبقع
قال: فقد بيّن كما ترى أنّ الأبقع شرّها.
قال: و قلت: فلم قال الشاعر: [من البسيط]
أرسلت أسدا على بقع الكلاب فقد # أمسى شريدهم في الأرض فلاّلا [١]
قال: فكيف يقول ذلك و هو يمدحهم؟و إذا صغّر شأن من هزموا فقد صغّر شأن الممدوح. بل إنّما قال: «أرسلت أسدا على سود الكلاب» .
قال: و إنّما جاء الحديث في قتل سود الكلاب، لأنّ عقرها أكثر ما تكون سودا، و ذلك من غلبة أنفسها.
و ليس في الأرض حيوان من بقرة و ثور و حمار و فرس و كلب و إنسان، إلاّ و السّود أشدّها أسرا و عصبا، و أظهرها قوّة و صبرا.
و قال أبو سعد المخزومي في هجائه دعبلا: [من الكامل]
يا ثابت بن أبي سعيد إنّها # دول و أحر بها بأن تتنقّلا [٢]
هلاّ جعلت لها كحرمة دعبل # في است أمّ كلب لا يساوي دعبلا
و قال ابن نوفل: [من الطويل]
و جئت على قصواء تنقل سوأة # إلينا و كم من سوأة لا تهابها [٣]
و تزعم أن لم تخز سلم بن جندل # و قد خزيت بعد الرّجال كلابها
و قال الحسن بن هانئ يهجو جعفر بن يحيى: [من الطويل]
قفا خلف وجه قد أطيل كأنّه # قفا مالك يقضي الهموم على بثق [٤]
[١] قوم فلّ: منهزمون. و الجمع فلول و فلال.
[٢] البيتان في ديوانه ٥٠، و ديوان المعاني ١/١٨١.
[٣] القصواء: اسم ناقة.
[٤] ديوان أبي نواس ٥١٩، و البيان ٣/٣٥٤، و البرصان ٢١٨، و عيون الأخبار ١/٢٧٣.