الحيوان - الجاحظ - الصفحة ١٠٩ - ١٣٣- خصاء الإنسان
و عتقه جائز، و جواز العتق يوجب الملك. و لو باعه المالك على غير طلب الزيادة، أو لو تاب من الخصاء أو استحلّه مما أتى إليه، لما حرم على الخاصي نفسه استخدامه، و الخصيّ مال و ملك، و استخدامه حسن جميل، و لأنّ خصاءه إيّاه لا يعتقه عليه، و لا يزيل عن ملكه إلا بمثل ما وجب به ملكه.
و أخرى: أنّ في قبول هديّة ذلك الملك، و تلقي كرامته بالإكرام تدبيرا و حكمة. فقد بطلت المسألة، و الحمد للّه كما هو أهله.
و قد رووا مع ذلك أيضا: أنّ زنباعا الجذّاميّ، خصى عبدا له [١] ، و أنّ النبي صلى اللّه عليه و سلم أعتقه عليه فيما بلغنا. و اللّه أعلم.
و ربّما سألوا عن الشيء و ليس القول فيه يقع في نسق القول في الخصيّ، و في الخلق المركّب، و لكن إذ قد أجبنا في مسألة كلاميّة من مسائل الطعن في النبوّة، فلا بأس أن نضيف إليها أخرى، و لا سيّما إذا لم تطل فتزيد في طول الكتاب.
و قد لا يزال الطاعن يقول: قد علمنا أنّ العرب لم يسموا حروب أيّام الفجار بالفجور و قريش خاصّة، إلاّ أنّ القتال في البلد الحرام، في الشهر الحرام كان عندهم فجورا، و تلك حروب قد شهدها النبيّ صلى اللّه عليه و سلم و على آله، و هو ابن أربع عشر سنة، و ابن أربع عشرة سنة يكون بالغا [٢] ، و قال: «شهدت الفجار فكنت أنبل على عمومتي» [٣] .
و جوابنا في ذلك: أنّ بني عامر بن صعصعة، طالبوا أهل الحرم من قريش و كنانة، بجريرة البرّاض بن قيس، في قتله عروة الرحّال، و قد علموا أنّهم يطالبون من لم يجن و من لم يعاون، و أنّ البرّاض بن قيس كان قبل ذلك خليعا مطرودا، فأتوهم إلى حرمهم يلزمونهم ذنب غيرهم، فدافعوا عن أنفسهم، و عن أموالهم، و عن ذراريهم، و الفاجر لا يكون المسعيّ عليه، و لذلك أشهد اللّه تبارك و تعالى نبيّه عليه الصلاة و السلام ذلك الموقف، و به نصروا كما نصرت العرب على فارس يوم ذي قار، به عليه الصلاة و السلام و بمخرجه. و هذان جوابان واضحان قريبان، و اللّه الموفّق للصواب، و إليه المرجع و المآب.
[١] النهاية ١/٢٣٣.
[٢] في أنساب الأشراف ١٠٣ أن النبي صلى اللّه عليه و سلم كان عمره عشرين سنة؛ أو أشفّ منها. و من قال إنه كان ابن أربع عشرة سنة فقد غلط.
[٣] النهاية ١/٤١٤.