الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٢٢٣ - 246- تصغير الكلام
صلى اللّه عليه و سلم أنّه قال: «لا يقولنّ أحدكم خبثت نفسي و لكن ليقل لقست نفسي» [١] ، كأنه كره صلى اللّه عليه و سلم أن يضيف المؤمن الطاهر إلى نفسه الخبث و الفساد بوجه من الوجوه.
و جاء عن عمر و مجاهد و غيرهما النهي عن قول القائل: استأثر اللّه بفلان، بل يقال مات فلان. و يقال استأثر اللّه بعلم الغيب و استأثر اللّه بكذا و كذا.
قال النّخعيّ: كانوا يكرهون أن يقال: قراءة عبد اللّه، و قراءة سالم، و قراءة أبيّ، و قراءة زيد. و كانوا يكرهون أن يقولوا سنّة أبي بكر و عمر، بل يقال سنّة اللّه و سنّة رسوله، و يقال فلان يقرأ بوجه كذا، و فلان يقرأ بوجه كذا.
و كره مجاهد أن يقولوا مسيجد و مصيحف، للمسجد القليل الذّرع، و المصحف القليل الورق. و يقول: هم و إن لم يريدوا التصغير فإنّه بذلك شبيه.
٢٤٦-[تصغير الكلام]
و ربّما صغّروا الشيء من طريق الشّفقة و الرّقّة [٢] ، كقول عمر: أخاف على هذا العريب. و ليس التصغير بهم يريد. و قد يقول الرجل: إنّما فلان أخيّي و صديقي؛ و ليس التصغير له يريد. و ذكر عمر ابن مسعود فقال: «كنيف ملئ علما» [٣] . و قال الحباب بن المنذر يوم السّقيفة: «أنا جذيلها المحكك، و عذيقها المرجّب» [٤] .
و هذا كقول النبيّ صلى اللّه عليه و سلم لعائشة: «الحميراء» [٥] ، و كقولهم لأبي قابوس الملك: أبو قبيس. و كقولهم: دبّت إليه دويهية الدهر، و ذلك حين أرادوا لطافة المدخل و دقّة المسلك.
و يقال إنّ كلّ فعيل في أسماء العرب فإنّما هو على هذا المعنى، كقولهم
[١] أخرجه البخاري في الأدب برقم ٥٨٢٥، ٥٨٢٦، و مسلم في الألفاظ من الأدب برقم ٢٢٥٠، ٢٢٥١.
[٢] انظر الكتاب لسيبويه ٣/٤١٥-٤٩٦.
[٣] النهاية ٤/٢٠٥، الكنف: الوعاء.
[٤] النهاية ١/٢٥١، ٤١٨، ٢/١٩٧، ٣/١٩٩، ٤/٢٠٥، و هو من الأمثال في مجمع الأمثال ١/٣١، و المستقصى ١/٣٧٧، و أمثال ابن سلام ١٠٣، و الدرة الفاخرة ٢/٣٦٨.
[٥] تمام الحديث في النهاية ١/٤٣٨ «خذوا شطر دينكم من الحميراء» يريد: البيضاء.