الحيوان - الجاحظ - الصفحة ١٤٦ - باب ما ذكر صاحب الديك من ذمّ الكلاب
باب ما ذكر صاحب الديك من ذمّ الكلاب
و تعداد أصناف معايبها و مثالبها، من لؤمها و جبنها و ضعفها و شرهها، و غدرها و بذائها، و جهلها و تسرّعها، و نتنها و قذرها، و ما جاء في الآثار من النّهي عن اتخاذها و إمساكها، و من الأمر بقتلها و طردها، و من كثرة جناياتها و قلّة ردّها و من ضرب المثل بلؤمها و نذالتها، و قبحها و قبح معاظلتها و من سماجة نباحها و كثرة أذاها، و تقذّر المسلمين من دنوّها، و أنّها تأكل لحوم الناس، و أنّها كالخلق المركّب و الحيوان الملفّق: كالبغل في الدوابّ و كالراعبيّ في الحمام، و أنّها لا سبع و لا بهيمة، و لا إنسيّة و لا جنّيّة، و أنّها من الحنّ دون الجنّ، و أنّها مطايا الجنّ و نوع من المسخ، و أنّها تنبش القبور و تأكل الموتى، و أنّها يعتريها الكلب من أكل لحوم الناس.
فإذا حكينا ذلك حكينا قول من عدّد محاسنها، و صنّف مناقبها، و أخذنا من ذكر أسمائها و أنسابها و أعراقها، و تفدية الرجال إيّاها و استهتارهم بها، و ذكر كسبها و حراستها، و وفائها و إلفها و جميع منافعها، و المرافق التي فيها، و ما أودعت من المعرفة الصحيحة و الفطن العجيبة و الحسّ اللطيف و الأدب المحمود. و ذلك سوى صدق الاسترواح و جودة الشمّ، و ذكر حفظها و نفاذها و اهتدائها، و إثباتها لصور أربابها و جيرانها، و صبرها، و معرفتها بحقوق الكرام، و إهانتها اللئام، و ذكر صبرها على الجفا، و احتمالها للجوع، و ذكر ذمامها و شدّة منعها معاقد الذّمار [١] منها، و ذكر يقظتها و قلّة غفلتها و بعد أصواتها، و كثرة نسلها و سرعة قبولها و إلقاحها و تصرّف أرحامها في ذلك، مع اختلاف طبائع ذكورها و الذكور من غير جنسها، و كثرة أعمامها و أخوالها، و تردّدها في أصناف السّباع، و سلامتها من أعراق البهائم، و ذكر لقنها و حكايتها، و جودة ثقافتها و مهنها و خدمتها، و جدّها و لعبها و جميع أمورها؛ بالأشعار المشهورة و الأحاديث المأثورة، و بالكتب المنزّلة و الأمثال السائرة، و عن تجربة النّاس لها و فراستهم فيها، و ما عاينوا منها؛ و كيف قال أصحاب الفأل فيها، و بإخبار المتطيّرين
[١] الذمار: هو كل ما يلزمك حفظه و الدفع عنه. اللسان: ذمر.