الحيوان - الجاحظ - الصفحة ١٥٨ - 189- شعر في الهجاء
نهاره أخبث من ليله # و يومه أخبث من أمسه
و ليس بالمقلع عن غيّه # حتى يدلّى القرد في رمسه
ما خلق اللّه شبيها له # من جنّه طرّا و من إنسه
و اللّه ما الخنزير في نتنه # من ربعه بالعشر أو خمسه
بل ريحه أطيب من ريحه # و مسّه ألين من مسّه
و وجهه أحسن من وجهه # و نفسه أنبل من نفسه
و عوده أكرم من عوده # و جنسه أكرم من جنسه
و أنا حفظك اللّه تعالى أستظرف وضعه الخنزير بهذا المكان و في هذا الموضع، حين يقول: و عوده أكرم من عوده.
و أيّ عود للخنزير؟!قبحه اللّه تعالى، و قبح من يشتهي أكله. و قال حمّاد عجرد في بشّار بن برد: [من البسيط]
إنّ ابن برد رأى رؤيا فأوّلها # بلا مشورة إنسان و لا أثر
رأى العمى نعمة للّه سابغة # عليه، إذ كان مكفوفا عن النّظر
و قال: لو لم أكن أعمى لكنت كما # قد كان برد أبي في الضّيق و العسر
أكدّ نفسي بالتطيين مجتهدا # إمّا أجيرا و إمّا غير مؤتجر
أو كنت إن أنا لم أقنع بفعل أبي # قصّاب شاء شقيّ الجدّ أو بقر
كإخوتي دائبا أشقى شقاءهم # في الحرّ و البرد و الإدلاج و البكر
فقد كفاني العمى من كلّ مكسبة # و الرّزق يأتي بأسباب من القدر
فصرت ذا نشب من غير ما طلب # إلاّ بمسألتي إذ كنت في صغري
أضمّ شيئا إلى شيء فأذخره # ممّا أجمع من تمر و من كسر
من كان يعرفني لو لم أكن زمنا # أو كان يبذل لي شيئا سوى الحجر؟!
فقل له لا هداه اللّه من رجل # فإنّها عرّة تربي على العرر
لقد فطنت إلى شيء تعيش به # يا ابن الخبيثة قد أدققت في النظر
يا ابن التي نشزت عن شيخ صبيتها # لأير ثوبان ذي الهامات و العجر
أ ما يكفّك عن شتمي و منقصتي # ما في حر امّك من نتن و من دفر
نفتك عنها عقيل و هي صادقة # فسل أسيدا و سل عنها أبا زفر
يا عبد أمّ الظباء المستطبّ بها # من اللّوى، لست مولى الغرّ من مضر