الحيوان - الجاحظ - الصفحة ١١٠ - 134- ذكر محاسن الخصي و مساويه
١٣٤-[ذكر محاسن الخصي و مساويه]
ثم رجع بنا القول إلى ذكر محاسن الخصيّ و مساويه.
الخصيّ ينكح و يتّخذ الجواري و يشتدّ شغفه بالنساء، و شغفهنّ به، و هو و إن كان مجبوب العضو فإنّه قد بقي له ما عسى أن يكون فيه من ذلك ما هو أعجب إليهنّ. و قد يحتلم و يخرج منه عند الوطء ماء، و لكنّه قليل متغيّر الريح، رقيق ضعيف. و هو يباشر بمشقّة، ثم لا يمنعه من المعاودة الماء الذي يخرج منه إذ كان قليل المقدار لا يخرجه من القوّة إلى الضعف، مثل الذي يعتري من يخرج منه شيء يكون من إنسان، و هو أخثر، و أكثر، و أحدّ ريحا، و أصحّ جوهرا.
و الخصيّ يجتمع فيه أمنيّة المرأة، و ذلك أنّها تبغض كلّ سريع الإراقة، بطيء الإفاقة، كما تكره كلّ ثقيل الصدر [١] ، و خفيف العجز، و الخصيّ هو السريع الإفاقة، البطيء الإراقة، المأمون الإلقاح، فتقيم المرأة معه، و هي آمنة العار الأكبر، فهذا أشدّ لتوفير لذّتها و شهوتها، و إذا ابتذلن الخيصان، و حقرن العبيد، و ذهبت الهيبة من قلوبهنّ، و تعظيم البعول، و التصنّع لذوي الأقدار باجتلاب الحياء و تكلّف الخجل، ظهر كلّ شيء في قوى طبائعهنّ و شهواتهنّ، فأمكنها النّخير و الصياح، و أن تكون مرّة من فوق، و مرّة من أسفل، و سمحت النفس بمكنونها، و أظهرت أقصى ما عندها.
و قد تجد في النساء من تؤثر النساء، و تجد فيهنّ من تؤثر الرجال، و تجد فيهنّ من تؤثر الخصيان، و تجد فيهنّ من تجمع و لا تفرّق، و تعمّ و لا تخصّ، و كذلك شأن الرجال في الرجال، و في النساء و الخصيان فالمرأة تنازع إلى الخصيّ لأنّ أمره أستر و عاقبته أسلم، و تحرص عليه لأنّه ممنوع منها، و لأنّ ذلك حرام عليها، فلها جاذبان:
جاذب حرص كما يحرص على الممنوع، و جاذب أمن كما يرغب في السلامة.
و قال الأصمعيّ: قال يونس بن عبيد: لو أخذنا بالجزع لصبرنا [٢] . قال الشاعر: [من البسيط]
و زادها كلفا بالحبّ أن منعت # و حبّ شيء إلى الإنسان ما منعا [٣]
و الحرص على الممنوع باب لا يقدر على الاحتجاز منه، و الاحتراس من خدعه،
[١] مثل امرئ القيس.
[٢] البيان ٣/١٣١، و عيون الأخبار ٢/٢.
[٣] البيت للأحوص في ديوانه ١٥٣، و الحماسة الشجرية ١/٥٢١، و زهر الآداب ٤٠٦، و لمجنون ليلى في ديوانه ٢٠١، و بلا نسبة في عيون الأخبار ٢/٥، و اللسان (حبب) ، و البخلاء ١٦١.