الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٢٩ - 15- أقسام البيان و وسائله
١٥-[أقسام البيان و وسائله]
و جعل البيان على أربعة أقسام: لفظ، و خطّ، و عقد [١] ، و إشارة، و جعل بيان الدليل الذي لا يستدلّ تمكينه المستدلّ من نفسه، و اقتياده كلّ من فكّر فيه إلى معرفة ما استخزن من البرهان، وحشي من الدّلالة، و أودع من عجيب الحكمة.
فالأجسام الخرس الصامتة، ناطقة من جهة الدّلالة، و معربة من جهة صحّة الشهادة، على أنّ الذي فيها من التدبير و الحكمة، مخبر لمن استخبره، و ناطق لمن استنطقه، كما خبّر الهزال و كسوف اللون، عن سوء الحال، و كما ينطق السّمن و حسن النّضرة، عن حسن الحال. و قد قال الشاعر و هو نصيب: [من الطويل]
فعاجوا فأثنوا بالذي أنت أهله # و لو سكتوا أثنت عليك الحقائب [٢]
و قال آخر: [من الوافر]
متى تك في عدوّ أو صديق # تخبّرك العيون عن القلوب
و قد قال العكليّ في صدق شمّ الذّئب و في شدّة حسّه و استرواحه: [من الرجز]
يستخبر الريح إذا لم يسمع # بمثل مقراع الصّفا الموقّع [٣]
و قال عنترة، هو يصف نعيب غراب: [من الكامل]
حرق الجناح كأنّ لحيي رأسه # جلمان بالأخبار هشّ مولع [٤]
و قال الفضل بن عيسى بن أبان في قصصه: سل الأرض، فقل: من شقّ أنهارك، و غرس أشجارك، و جنى ثمارك؛ فإن لم تجبك حوارا، أجابتك اعتبارا.
فموضوع الجسم و نصبته، دليل على ما فيه و داعية إليه، و منبهة عليه. فالجماد الأبكم الأخرس من هذا الوجه، قد شارك في البيان الإنسان الحيّ الناطق. فمن جعل أقسام البيان خمسة، فقد ذهب أيضا مذهبا له جواز في اللّغة، و شاهد في العقل.
فهذا أحد قسمي الحكمة، و أحد معنيي ما استخزنها اللّه تعالى من الوديعة.
[١] ذكر البغدادي في خزانته ٣/١٤٧ (بولاق) : «العقد نوع من الحساب يكون بأصابع اليدين؛ يقال له: حساب اليد. و قد ورد منه في الحديث «و عقد عقد تسعين» و انظر البيان ١/٧٦.
[٢] البيت لنصيب في ديوانه ٥٩، و الأغاني ١/٣٣٧، و الخزانة ٥/٢٩٦ «هارون» ، و شذور الذهب ٣٨ و اللسان (حدث) .
[٣] الرجز لأبي الرديني العكلي في البيان ١/٨٢، و البرصان ١٩٣، و الخزانة ٣/١٠٥، و بلا نسبة في اللسان و التاج (مخر، قرع) ، و ديوان الأدب ١/٣١١.
[٤] البيت لعنترة في ديوانه ٤٨، و البيان ١/٨٢، و اللسان (حرق، بين) ، و التاج (بين) ، و بلا نسبة في أساس البلاغة (حرق) ، و المخصص ١/٧٣.