الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٥٠ - 40- اللسان و القلم
إقطاع، و كلّ إنفاق، و كلّ أمان، و كلّ عهد و عقد، و كلّ جوار و حلف. و لتعظيم ذلك، و الثقة به و الاستناد إليه، كانوا يدعون في الجاهليّة من يكتب لهم ذكر الحلف و الهدنة، تعظيما للأمر، و تبعيدا من النسيان، و لذلك قال الحارث بن حلّزة، في شأن بكر و تغلب: [من الخفيف]
و اذكروا حلف ذي المجاز و ما قـ # دّم فيه العهود و الكفلاء [١]
حذر الجور و التّعدّي، و هل ينـ # قض ما في المهارق الأهواء!
و المهارق، ليس يراد بها الصّحف و الكتب، و لا يقال للكتب مهارق حتّى تكون كتب دين، أو كتب عهود، و ميثاق، و أمان.
٣٩-[الرقوم و الخطوط]
و ليس بين الرّقوم و الخطوط فرق، و لو لا الرقوم لهلك أصحاب البزّ و الغزول، و أصحاب الساج و عامّة المتاجر، و ليس بين الوسوم التي تكون على الحافر كلّه و الخفّ كلّه و الظّلف كلّه، و بين الرقوم فرق، و لا بين العقود و الرقوم فرق، و لا بين الخطوط و الرقوم كلّها فرق، و كلّها خطوط، و كلها كتاب، أو في معنى الخطّ و الكتاب، و لا بين الحروف المجموعة و المصورة من الصوت المقطّع في الهواء، و من الحروف المجموعة المصوّرة من السواد في القرطاس فرق.
٤٠-[اللسان و القلم]
و اللسان: يصنع في جوبة الفم و هوائه الذي في جوف الفم و في خارجه، و في لهاته، و باطن أسنانه، مثل ما يصنع القلم في المداد و اللّيقة و الهواء و القرطاس، و كلّها صور و علامات و خلق مواثل، و دلالات، فيعرف منها ما كان في تلك الصّور لكثرة تردادها على الأسماع، و يعرف منها ما كان مصوّرا من تلك الألوان لطول تكرارها على الأبصار، كما استدلّوا بالضّحك على السرور، و بالبكاء على الألم. و على مثل ذلك عرفوا معاني الصوت، و ضروب صور الإشارات، و صور جميع الهيئات، و كما عرف المجنون لقبه، و الكلب اسمه. و على مثل ذلك فهم الصبيّ الزجر و الإغراء، و وعى المجنون الوعيد و التهدّد، و بمثل ذلك اشتدّ حضر الدابّة مع رفع الصوت، حتّى
[١] البيتان من معلقته في شرح القصائد السبع ٤٧٨؛ و شرح القصائد العشر ٣٩٢؛ و البيان و التبيين ٣/٧؛ و اللسان (جوز) .