الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٢٤٨ - 263- قصص تتعلق بالكلاب
قال: فالكلاب كما ترى تتّهم بالنساء، و ينيكها الرجال، و تنيك الرجال، و ليس شيء أحقّ بالنفي و الإغراب و الإطراد و بالقتل منها. و نحن من السباع العادية الوحشيّة في راحة، إلاّ في الفرط [١] فإنّ لها عراما على بعض الماشية، و جناية على شرار العامّة و كذلك البهائم. و ما عسى أن يبلغ من وطء بعير و نطح كبش، أو خمش سنّور أو رمح حمار، و لعلّ ذلك يكون في الدهر المرّة و المرّتين، و لعلّ ذلك أيضا لا ينال إلاّ عبداً أو خادما أو سائسا، و ذلك محتمل. فالكلاب مع هذه الآفات شركاء الناس في دورهم و أهاليهم!! قال صاحب الكلب: إن كنتم إلى الأذى بالسّلاح تذهبون، و إلى قشر طين السطوح بالبراثن تميلون، و إلى نتن السّلاح و قذر المأكول و المشروب تقصدون، فالسّنّور أكثر في ذلك. و قد رويتم عن النبي صلى اللّه عليه و سلم في ذلك أنّه قال: «هنّ من الطّوّافات عليكم» [٢] . فإذا كان ذلك في السنانير مغتفرا، لانتفاعهم بها في أكل الفأر، فمنافع الكلاب أكثر، و هي بالاعتقاد أحقّ. و في إطلاق ذلك في السنّور دليل على أنّه في الكلاب أجوز.
و أمّا ما ذكرتم من إنعاظه، فلعمري إنّه ما ينبغي للغيور أن يقيم الفرس و لا البرذون و البغل و الحمار و التّيس في المواضع التي تراها النساء. و الكلب في ذلك أحسن حالا. و قد كره ناس إدخال منازلهم الحمام و الدّيكة و الدجاج و البطّ خاصة؛ لأنّ له عند السفاد قضيبا يظهر، و كذلك التيس من الظباء، فضلا عن تيوس الصفايا. فهذا المعنى الذي ذكرتم يجري في وجوه كثيرة و على أنّ للحمام خاصّة من الاستشارة [٣] ، و الكسم بالذئب، و التقبيل الذي ليس للناس مثله، ثمّ التقبيل و التغزّل و التّنفّش، و الابتهاج بما يكون منه بعد الفراغ، و ركوب الأنثى للذكر و عدم إمكانها لغير ذكرها، ما يكون أهيج للنساء ممّا ذكرتم. فلم أفردتم الكلب بالذّكر دون هذه الأمور، التي إذا عاينت المرأة غرمول واحد منها، حقرت بعلها أو سيّدها، و لم يزل ظلّ ذلك الغرمول يعارضها في النوم، و ينبّهها ساعة الغفلة، و يحدث لها التمنّي لما لا تقدر عليه، و الاحتقار لما تقدر عليه، و تركتم ذكر ما هو أجلّ و أعظم إلى ما هو أخسّ و أصغر؟! فإن كنتم تذهبون في التشنيع عليه إلى ما يعقر من الصبيان عند العبث
[١] الفرط: الندرة.
[٢] أخرجه أحمد في المسند ٥/٢٩٦، و هو في النهاية ٣/١٤٢.
[٣] الاستشارة: إظهار الحسن.