الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٢٣٠ - 248- تكلف بعض القضاة في أحكامهم
وَ لَمْ يَكُنْ جَبََّاراً عَصِيًّا [١] ، و تأوّل في ذلك قول عيسى: وَ لَمْ يَجْعَلْنِي جَبََّاراً شَقِيًّا [٢] أي لم يجعلني متكبّرا عن عبادته، قال: الجبّار: المسلّط القاهر، و قال: و هو قوله: وَ مََا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبََّارٍ [٣] أي مسلّط فتقهرهم على الإسلام. و الجبّار: اللّه.
و تأوّل أيضا (الخوف) على وجوه، و لو وجده في ألف مكان لقال: و الخوف على ألف وجه، و كذلك الجبّار. و هذا كلّه يرجع إلى معنى واحد؛ إلاّ أنّه لا يجوز أن يوصف به إلاّ اللّه عزّ و جلّ.
٢٤٨-[تكلف بعض القضاة في أحكامهم]
و قال رجل لعبيد اللّه بن الحسن القاضي: إنّ أبي أوصى بثلث ماله في الحصون. قال: اذهب فاشتر به خيلا، فقال الرجل: إنّه إنّما ذكر الحصون!قال: أ ما سمعت قول الأسعر الجعفيّ: [من الكامل]
و لقد علمت على تجنّبي الرّدى # أنّ الحصون الخيل لا مدر القرى [٤]
فينبغي في مثل هذا القياس على هذا التأويل، أنّه ما قيل للمدن و الحصون حصون إلاّ على التشبيه بالخيل.
و خبّرني النّوشروانيّ قال: قلت للحسن القاضي: أوصى جدّي بثلث ماله لأولاده، و أنا من أولاده. قال: ليس لك شيء. قلت: و لم؟قال: أ و ما سمعت قول الشاعر: [من الطويل]
بنونا بنو أبنائنا و بناتنا # بنوهنّ أبناء الرّجال الأباعد [٥]
قال: فشكوت ذلك إلى فلان فزادني شرّا.
و قالوا في قوله [٦] : ما ساءك و ناءك: ناءك، أبعدك. قالوا: و ساءك أبرصك. قال:
لقوله تعالى: تَخْرُجْ بَيْضََاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ* [٧] . و بئس التكلّف.
[١] . ١٤/مريم: ١٩.
[٢] . ٣٢/مريم: ١٩.
[٣] . ٤٥/ق: ٥٠.
[٤] البيت في الأصمعيات ١٤١، و الوحشيات ٤٣، و اللسان و التاج و أساس البلاغة (حصن) ، و تهذيب اللغة ٤/٢٤٧.
[٥] البيت للفرزدق في ديوانه ٢١٧ (الصاوي) ، و الخزانة ١/٤٤٤، و بلا نسبة في الإنصاف ١/٦٦، و شرح المفصل ١/٩٩، ٩/١٣٢، و مغني اللبيب ٢/٤٥٢، و الدرر ٢/٢٤، و همع الهوامع ١/١٠٢.
[٦] ورد القول في أساس البلاغة (سوء) .
[٧] . ١٢/النمل: ٢٧، ٣٢/القصص: ٢٨.