الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٢٣٩ - 256- قبائل في شطرها خير كثير و في الشطر الآخر شرف و ضعة
و مناقب، و لم يسلّموا من أن يهجوا و يضرب بهم المثل، و لعلّ أيضا أن تتفق لهم أشعار تتصل بمحبة الرواة، و أمثال تسير على ألسنة العلماء، فيصير حينئذ من لا خير فيه و لا شرّ، أمثل حالا في العامّة، ممّن فيه الفضل الكثير و بعض النقص، و لا سيّما إذا جاوروا من يأكلهم و حالفوا من لا ينصفهم، كما لقيت غنيّ أو باهلة.
و لو أنّ عبسا أقامت في بني عامر ضعف ما أقامت؛ لذهب شطر شرفها؛ و لكنّ قيس بن زهير لمّا رأى دلائل الشرّ قال لأصحابه: الذلّ في بني غطفان خير من العزّ في بني عامر! و قد يكون القوم حلولا مع بني أعمامهم، فإذا رأوا فضلهم عليهم حسدوهم و إن تركوا شيئا من إنصافهم اشتدّ ذلك عليهم و تعاظمهم، بأكثر من قدره، فدعاهم ذلك إلى الخروج منهم إلى أعدائهم. فإذا صاروا إلى آخرين نهكوهم و حملوا عليهم، فوق الذي كانوا فيه من بني أعمامهم، حتى يدعوهم ذلك إلى النّدم على مفارقتهم، فلا يستطيعون الرّجوع، حمية و اتقاء، و مخافة أن يعودوا لهم إلى شيء مما كانوا عليه، و إلى المقام في حلفائهم الذين يرون من احتقارهم، و من شدّة الصّولة عليهم.
٢٥٥-[بكل واد بنو سعد]
و قد خرج الأضبط بن قريع السّعديّ من بني سعد، فجاوز ناسا، فلما رأى مذهبهم و ظلمهم و نهكهم، قال: «بكلّ واد بنو سعد!» [١] ، فأرسلها مثلا.
و قد كان عبّاس بن ريطة الرّعلي سيّد بني سليم، و قد ناله ضيم في بعض الأمر، فأبى الضّيم، فلما حاول مفارقتهم إلى بني غنم عزّ عليه فقال في كلمة له: [من الطويل]
و أمّكم تزجي التؤام لبعلها # و أمّ أخيكم كزّة الرّحم عاقر
و زعموا أنّ أبا عمرو أنشد هذا الشعر، و خبّر عن هذه القصّة في يوم من أيامه، فدمعت عينه، فحلف شبيل بن عزرة بالطلاق: إنّه لعربيّ في الحقيقة لغيّة أو لرشدة!
٢٥٦-[قبائل في شطرها خير كثير و في الشطر الآخر شرف و ضعة]
فمن القبائل المتقادمة الميلاد التي في شطرها خير كثير، و في الشطر الآخر شرف و ضعة، مثل قبائل غطفان و قيس عيلان، و مثل فزارة و مرّة و ثعلبة. و مثل عبس
[١] البخلاء ١٨٩، و مجمع الأمثال ١/١٠٥، و جمهرة الأمثال ٦١.