الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٥١ - 41- تخليد العرب و العجم لمآثرها
إذا رأى سائسه حمحم. و إذا رأى الحمام القيّم عليه انحطّ للقط الحبّ، قبل أن يلقي له ما يلقطه. و لو لا الوسوم و نقوش الخواتم، لدخل على الأموال الخلل الكثير، و على خزائن الناس الضرر الشديد.
٤١-[تخليد العرب و العجم لمآثرها]
و ليس في الأرض أمّة بها طرق [١] أو لها مسكة، و لا جيل لهم قبض و بسط، إلاّ و لهم خطّ. فأمّا أصحاب الملك و المملكة، و السلطان و الجباية، و الدّيانة و العبادة، فهناك الكتاب المتقن، و الحساب المحكم، و لا يخرج الخطّ من الجزم و المسند المنمنم و السمون كيف كان، قال ذلك الهيثم بن عدي، و ابن الكلبي.
قال: فكلّ أمّة تعتمد في استبقاء مآثرها، و تحصين مناقبها، على ضرب من الضروب، و شكل من الأشكال.
و كانت العرب في جاهليّتها تحتال في تخليدها، بأن تعتمد في ذلك على الشعر الموزون، و الكلام المقفّى، و كان ذلك هو ديوانها. و على أنّ الشعر يفيد فضيلة البيان، على الشاعر الراغب، و المادح، و فضيلة المأثرة، على السيّد المرغوب إليه، و الممدوح به. و ذهبت العجم على أن تقيّد مآثرها بالبنيان، فبنوا مثل كرد بيداد، و بنى أردشير بيضاء إصطخر [٢] . و بيضاء المدائن، و الحضر، و المدن و الحصون، و القناطر و الجسور، و النواويس [٣] ، قال: ثمّ إنّ العرب أحبّت أن تشارك العجم في البناء، و تنفرد بالشعر، فبنوا غمدان، و كعبة نجران [٤] ، و قصر مارد، و قصر مأرب، و قصر شعوب [٥] و الأبلق الفرد، و فيه و في مارد، قالوا «تمرّد مارد و عزّ الأبلق» [٦] و غير ذلك من البنيان، قال: و لذلك لم تكن الفرس تبيح شريف البنيان، كما لا تبيح شريف الأسماء، إلاّ لأهل البيوتات، كصنيعهم في النواويس و الحمّامات
[١] الطرق: القوة. اللسان: طرق ١٠/٢٢٣.
[٢] إصطخر من أعيان مدن فارس و كورها، و من مشهور مدنها البيضاء. (البلدان ١/٢١١) ، و سميت البيضاء لأن لها قلعة تبيّن من بعد؛ و يرى بياضها. (البلدان: ١/٥٢٩) .
[٣] النواويس: جمع ناووس؛ و هي مقابر النصارى. اللسان: نوس.
[٤] كعبة نجران: بيعة بناها بنو عبد المدان بن الديّان الحارثي؛ على بناء الكعبة؛ و عظموها مضاهاة للكعبة. و كان فيها أساقفة معتمّون. البلدان: ٥/٢٦٨.
[٥] شعوب: قصر باليمن معروف بالارتفاع. البلدان: ٣/٣٥٠.
[٦] مجمع الأمثال ١/١٢٦، و جمهرة الأمثال ١/٢٥٧، و المستقصى ٢/٣٢، و فصل المقال ١٣٠، ٤٩٣، و الدرة الفاخرة ١/٣٠١.