الحيوان - الجاحظ - الصفحة ١٠٨ - 133- خصاء الإنسان
و الجواب الماضي إنما هو قول من قال بالتعويض، و هو قول النظّام. و أكثر المتكلّمين يعترضون عليه فيه.
١٣٣-[خصاء الإنسان]
و لا يزال-يرحمك اللّه تعالى-بعض الملحدين من المعاندين، أو بعض الموحّدين من الأغبياء المنقوصين، قد طعن في ملك الخصيّ و بيعه و ابتياعه، و يذكرون الخصيّ الذي كان المقوقس عظيم القبط أهداه إلى النبي صلى اللّه عليه و سلم و على آله.
مع مارية القبطيّة أمّ إبراهيم عليه السلام. قالوا: فقد ملك عليه الصلاة و السلام خصيّا بعد أن عرفه و أحاط علمه بأنّه خصيّ، و أنتم تزعمون أنّ الخصاء حرام، و أنّ من اشترى من الخاصي خصيّا ثم زاد على قيمته و هو فحل، فقد أعان على الخصاء و حثّ عليه، و رغّب فيه، و أنّه من أفحش الظلم و أشدّ القسوة، و زعمتم أنّ من فعل ذلك فهو شريك الخاصي في الإثم، و أنّ حاله كحال المعروفين بالابتياع من اللصوص. و قلتم: و كذلك من شهد القمار و هراش الكلاب، و نطاح الكباش و قتال الديوك، و أصحاب المجارحات و حرب الفئتين الضالّتين. و قلتم: لأنّ هذه المواضع لو لم تحضرها النّظّارة لما عملوا تلك الأعمال، و لو فعلوها ما بلغوا مقدار الشّطر، لغلبة الرياء و السّمعة على قلوب الناس، فكذلك الخاصي، و المشتري، و المبتاع من المشتري، شركاء متعاونون، و خلطاء مترادفون. و إذا كان المبتاع يزيد في السّلعة لهذه العلّة، و البائع يزيد في السّوم لهذا السبب، و قد أقررتم بأنّ النبي صلى اللّه عليه و سلم قد قبل له من المقوقس، كما قبل مارية، و استخدمه، و جرى عليه ملكه و أمره، فافهم-فهّمك اللّه تعالى-ما أنا مجيب به في هذه المسألة. و اللّه الموفّق، و على اللّه قصد السبيل.
أقول: قبل كلّ شيء لا يخلو هذا الحديث الذي رويتموه من أن يكون مرضيّ الإسناد. صحيح المخرج، أو يكون مسخوط الإسناد، فاسد المخرج. فإن كان مسخوطا. فقد بطلت المسألة، و إن كان مرضيّا، فقد علمنا أنّه ليس في الحديث أنّه قبله منه بعد أن علم أنّه خصيّ، و على أنّ قبول الهديّة خلاف الابتياع، لأنّ بائع الخصيّ إنّما يحرم عليه التماس الزيادة، و كذلك المبتاع إنّما يحرم عليه دفع الزيادة إذا كان لو سلم إليه بذلك الثمن فحلا أجمل منه و أشبّ و أخدم منه لم يزده، و البائع أيضا لا يستام بالفحل سومه بالخصي. و قبول الهديّة، و قبول الهبة، و سبيل البيع و الابتياع لا بأس به إذا كان على ما وصفنا، و إنّما هديّة الخصيّ كهديّة الثوب و العطر، و الدابّة و الفاكهة. و لأنّ الخصيّ لا يحرم ملكه و لا استخدامه، بل لا يحلّ طرده و نفيه،