الحيوان - الجاحظ - الصفحة ١٣٩ - ١٧٠- تسمية الإنسان بالعالم الأصغر
طينة آدم» [١] و هذا الكلام صحيح المعنى، لا يعيبه إلاّ من لا يعرف مجاز الكلام.
و ليس هذا ممّا يطّرد لنا أن نقيسه، و إنّما نقدم على ما أقدموا، و نحجم عمّا أحجموا، و ننتهي إلى حيث انتهوا.
و نراهم يسمّون الرجل جملا و لا يسمّونه بعيرا، و لا يسمّون المرأة ناقة؛ و يسمّون الرجل ثورا و لا يسمّون المرأة بقرة، و يسمّون الرجل حمارا و لا يسمون المرأة أتانا؛ و يسمّون المرأة نعجة و لا يسمّونها شاة. و هم لا يضعون نعجة اسما مقطوعا، و لا يجعلون ذلك علامة مثل زيد و عمرو، و يسمّون المرأة عنزا.
١٧٠-[تسمية الإنسان بالعالم الأصغر]
أ و ما علمت أنّ الإنسان الذي خلقت السموات و الأرض و ما بينهما من أجله كما قال عزّ و جلّ: سَخَّرَ لَكُمْ مََا فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ مََا فِي اَلْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ [٢] إنّما سمّوه العالم الصغير سليل العالم الكبير، لما وجدوا فيه من جمع أشكال ما في العالم الكبير، و وجدنا له الحواسّ الخمس و وجدوا فيه المحسوسات الخمس، و وجدوه يأكل اللّحم و الحبّ، و يجمع بين ما تقتاته البهيمة و السبع، و وجدوا فيه صولة الجمل و وثوب الأسد، و غدر الذئب، و روغان الثعلب، و جبن الصّفرد [٣] ، و جمع الذّرّة، و صنعة السّرفة [٤] وجود الدّيك، و إلف الكلب، و اهتداء الحمام. و ربّما وجدوا فيه ممّا في البهائم و السباع خلقين أو ثلاثة، و لا يبلغ أن يكون جملا بأن يكون فيه اهتداؤه و غيرته، و صولته و حقده، و صبره على حمل الثّقل، و لا يلزم شبه الذئب بقدر ما يتهيّأ فيه من مثل غدره و مكره، و استرواحه و توحّشه، و شدّة نكره. كما أن الرجل يصيب الرأي الغامض المرّة و المرّتين و الثّلاث، و لا يبلغ ذلك المقدار أن يقال له داهية و ذو نكراء أو صاحب بزلاء، و كما يخطئ الرجل فيفحش خطاؤه في المرّة و المرّتين و الثلاث، فلا يبلغ الأمر به أن يقال له غبيّ و أبله و منقوص.
و سمّوه العالم الصغير لأنّهم وجدوه يصوّر كلّ شيء بيده، و يحكي كلّ صوت بفمه [٥] . و قالوا: و لأنّ أعضاءه مقسومة على البروج الاثني عشر و النجوم السبعة، و فيه
[١] الحديث في النهاية ٣/٣٠٣.
[٢] . ١٣: الجاثية/٤٥.
[٣] الصفرد: طائر من خساس الطير تسميه العامة أبا مليح، حياة الحيوان ١/٦١٨.
[٤] السرفة: دويبة سوداء الرأس و سائرها أحمر، تتخذ لنفسها بيتا مربعا من دقائق العيدان، تضم بعضها إلى بعض بلعابها على مثال الناوس ثم تدخل فيه و تموت. حياة الحيوان ١/٥٥٥.
[٥] البيان و التبيين ١/٧٠.