الحيوان - الجاحظ - الصفحة ١٢٨ - ١٥٤- حوار في الديك
الولد، و جهله بموضع الذّرء، و أنّ الولد لم يجئ منه عن طلب له، و لكن النّطفة البريئة من الأسقام، إذا لاقت الأرحام البريئة من الأسقام حدث النّتاج على الخلقة، و على ما سوّيت عليه البنية. و ذكر أنّ نزوه على الأتان، من شكل نزوه على العير، و إنّما ذلك على قدر ما يحضره من الشّبق، ثمّ لا يلتفت إلى دبر من قبل، و إلى ما يلقح من مثله ممّا لا يلقح فقال: [من الرجز]
لا مبتغي الضّنء و لا بالعازل
يقول: هو لا يريد الولد و لا يعزل.
و الأشياء التي تألف الناس و لا تريد سواهم، و لا تحنّ إلى غيرهم، كالعصفور و الخطّاف و الكلب و السّنّور. و الدّيك لا يألف منزله و لا ربعه و لا ينازع إلى دجاجته و لا طروقته، و لا يحنّ إلى ولده، بل لم يدر قطّ أنّ له ولدا؛ و لو درى لكان على درايته دليل، فإذ قد وجدناه لبيضه و فراريجه الكائنة منه، كما نجده لما لم يلده و لما ليس من شكله و لا يرجع إلى نسبه، فكيف تعرف الأمور إلاّ بهذا و شبهه. و هو مع ذلك أبله لا يعرف أهل داره، و مبهوت لا يثبت وجه صاحبه، و هو لم يخلق إلاّ عنده و في ظلّه، و في طعامه و شرابه، و تحت جناحه.
و الكلب على ما فيه يعرف صاحبه، و هو و السّنّور يعرفان أسماءهما، و يألفان موضعهما، و إن طردا رجعا، و إن أجيعا صبرا، و إن أهينا احتملا.
و الديك يكون في الدار من لدن كان فرّوجا صغيرا إلى أن صار ديكا كبيرا، و هو إن خرج من باب الدار، أو سقط على حائط من حيطان الجيران. أو على موضع من المواضع، لم يعرف كيف الرّجوع، و إن كان يرى منزله قريبا، و سهل المطلب يسيرا، و لا يذكر و لا يتذكّر، و لا يهتدي و لا يتصوّر له كيف يكون الاهتداء، و لو حنّ لطلب، و لو احتاج لالتمس. و لو كان هذا الخبر في طباعه لظهر، و لكنّها طبيعة بلهاء مستبهمة، طامحة و ذاهلة، ثمّ يسفد الدّجاجة و لا يعرفها، هذا مع شدّة حاجته إليهنّ و حرصه على السّفاد، و الحاجة تفتق الحيلة، و تدلّ على المعرفة، إلاّ ما عليه الديك؛ فإنّه مع حرصه على السّفاد، لا يعرف التي يسفد، و لا يقصد إلى ولد، و لا يحضن بيضا و لا يعطفه رحم، فهو من هاهنا أحمق من الحبارى [١] و أعقّ من الضبّ [٢] .
و قال عثمان بن عفّان رضي اللّه تعالى عنه: «كلّ شيء يحبّ ولده حتى
[١] من الأمثال في المستقصى ١/٧٤، و الدرة الفاخرة ١/١٣٣.
[٢] من الأمثال في المستقصى ١/٢٥٠، و مجمع الأمثال ٢/٤٧، و جمهرة الأمثال ٢/٦٩.