الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٢٣٢ - ٢٥٢- ما اشتق من نباح الكلاب
عاريّة في أيديهم ممّن خلقهم و مكّنهم و ألهمهم و علّمهم، و كان ذلك منهم صوابا عند جميع الناس؛ فالذي أعارهم هذه النّعمة أحقّ بالاشتقاق و أوجب طاعة. و كما أنّ له أن يبتدئ الأسماء؛ فكذلك له أن يبتدئها ممّا أحبّ.. قد سمّى كتابه المنزل قرآنا، و هذا الاسم لم يكن حتى كان، و جعل السجود للشمس كفرا، فلا يجوز أن يكون السجود لها كفرا إلاّ و ترك ذلك السجود بعينه يكون إيمانا، و الترك للشيء لا يكون إلاّ بالجارحة التي كان بها الشيء، و في مقداره من الزمان، و تكون بدلا منه و عقبا. فواحدة أن يسمّى السجود كفرا، و إذا كان كفرا كان جحودا و إذا كان جحودا كان شركا، و السجود ليس بجحد، و الجحد ليس بإشراك إلاّ أن تصرفه إلى الوجه الذي يصير به إشراكا.
٢٥٢-[ما اشتق من نباح الكلاب]
و قال طفيل الغنويّ: [من الطويل]
عوازب لم تسمع نبوح مقامة # و لم تر نارا تمّ حول مجرّم [١]
و إنّما أخذ ذلك للجميع من نباح الكلاب.
و ذكروا أن الظّبي إذا أسنّ و نبتت لقرونه شعب نبح، و هو قول أبي دؤاد: [من الهزج]
و قصرى شنج الأنسا # ء نبّاح من الشعب [٢]
يعني من جهة الشعب؛ و أنشد بعضهم: [من الطويل]
و ينبح بين الشعب نبحا كأنّه # نباح سلوق أبصرت ما يريبها [٣]
و بيّضها الهزل المسوّد غيرها # كما ابيضّ عن حمض المراحم نيبها
لأن الظّبي إذا هزل ابيضّ، و البعير يشيب وجهه من أكل الحمض. و كذلك قال ابن لجأ: [من الرجز]
شابت و لمّا تدن من ذكائها [٤]
[١] ديوان طفيل الغنوي ٧٧، و أمالي القالي ٢/٨٣، و أساس البلاغة (تمم، نبح) .
[٢] البيت لأبي دؤاد في ديوانه ٢٨٨، و اللسان (شعب، شنج، نبح، قصر) ، و المعاني الكبير ١٤٢، و لعقبة بن سابق في الأصمعيات ٤١، و بلا نسبة في همع الهوامع ٢/١٢٠، و المقرب ١/٢٢٨.
قصرى: أسفل الأضلاع. شنج: متقبّض. الشعب: الظباء التي طالت قرونها و تشعبت.
[٣] البيتان بلا نسبة في المعاني الكبير ٦٩٥، و الأول في اللسان (نبح، عجل) ، و تهذيب اللغة ٥/١١٨.
[٤] ديوان عمر بن لجأ ١٥٢، و البرصان و العرجان ٤٣، و المعاني الكبير ٦٩٥، ٧٩٠.